تقارير

الهدن المناطقية.. حياة هنا وموت هناك وشرخٌ اجتماعي بين المدنيين 

أوجدت “الهدن المناطقية” شرخاً اجتماعياً بين أبناء ريف حماة الشمالي، بعد أن اتبع النظام السوري تلك السياسة مع قرى وبلدات دون أخرى، بهدف تحييد بعضها والتركيز في عملياته العسكرية على قرى وبلدات أخرى.

“وتقوم الهدنة المناطقية على شروط يفرضها النظام على القرى، تتمثل في وقف إطلاق النار أو إطلاق القذائف تجاه حواجز النظام أو القرى الخاضعة لسيطرته من القرية أو البلدة المهادنة”، وفق ما ذكر مصدر مطلع على شروط الهدن المناطقية في حماة، رفض ذكر اسمه، لـ”الصوت السوري”.

وأضاف المصدر “يشترط النظام إنهاء كافة المظاهر المسلحة من حواجز ومقرات ومعسكرات، وتسليم إدارتها للجنة مدنية”.

“ومن جهة أخرى يتم تحديد المنطقة المهادنة ورقعتها الجغرافية من لجنة المصالحة، وإخطار النظام بحدودها، ليعمل النظام على تحييدها عن القصف الجوي والبري، وإخطار مطار حميميم العسكري بإحداثيات المنطقة حتى يستثنيها الطيران الروسي من ضرباته، كما يتعهد النظام بتقديم الخدمات لتلك المنطقة” وفق المصدر ذاته.

عبد الرزاق النعسان، مدني في بلدة بريف حماة الشمالي مشمولة بهدنة مع النظام، لا يخف وجود آثار سلبية على الثورة السورية والمدنيين في مناطق الثوار، من جميع النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بينما تحمل آثاراً إيجابية للنظام، وفق ما ذكر في حديثه لـ”الصوت السوري”.

وقال النعسان لمراسل “الصوت السوري” “تتسبب الهدنة المناطقية بشرخ بين المدن والبلدات المهادنة وغير المهادنة، كون الأولى تنعم بالأمان والازدهار الاقتصادي – نسبياً – والثانية تتعرض لقصف مستمر وتدهور اقتصادي”.

“وعلى الرغم من الفائدة التي يجنيها المدنيون المشمولون بالهدنة ووقف إطلاق النار، إلا أن النظام هو المستفيد على المدى البعيد من الهدن والمصالحات الفردية، وفق ما ذكر النعسان لـ”الصوت السوري”.

ونوّه النعسان أن “اختيار المدن والبلدات لتوقيع هدن ومصالحات معها يتم بعناية فائقة من النظام، وضمن خط مدروسة تتناسب مع مخططاته العسكرية القريبة والبعيدة”.

من جهته قال محمد العبد الله، ناشط إعلامي في ريف حماة الشمالي لـ”الصوت السوري” “علاوة عن أهداف النظام العسكرية فإن هناك خططاً يرمي إليها النظام وهي خلق الهوة بين أبناء المناطق الخارجة عن سيطرته من الناحية الاجتماعية، والتأثير على العلاقات بين أبناء تلك المنطقة”.

وبحسب العبد الله “أولى مظاهر الهوّة بين البلدات المهادنة وغير المهادنة الأوضاع المعيشية اليومية، فأبناء المناطق المهادنة يمارسون حياتهم الطبيعية دون خوف من قصف عشوائي قد يحصد أرواحهم، أما أبناء المناطق الأخرى يعيشون قصفاً مستمراً ويتخطّفهم الموت في كل وقت”.

“وأصبحت البلدات والقرى المشمولة بالهدنة مراكز تجارية يقصدها التجار وأصحاب المصالح التجارية، وحتى أنها أصبحت مقصداً للمنظمات الإنسانية، التي أنشأت فيها مشاريع تعليمية وإنسانية وابتعدت عن المناطق الأخرى التي تتعرض للقصف”، وفق ما ذكر العبد الله.

ويعتقد العبد الله أن “المناطق المهادنة خرجت عن مبادئ الثورة وخرقت القسم الذي أقسمت عليه مطلع الثورة السورية”، ويبدو أن كلام العبد الله هو تجسيد واقعي لـ”الشرخ” الذي وقع بين المنطقتين!!.

ولكن لـ محمد النجار، مبرر للهدنة يراه منطقياً، قال في حديثه لـ”الصوت السوري ” “الهدنة أمر لا بد منه، وهي الحل الوحيد من أجل عودة الأهالي لمنازلهم والعيش بأمان وممارسة أعمالهم اليومية”، مشيراً أنه “استطاع العودة إلى منزله بعد ثلاث سنوات من النزوح، وتخلص من أعباء مادية رافقته طيلة أيام نزوحه من دفع إيجار المنزل ومصاريف أخرى”.

من جهته قال النقيب مهند، قائد عسكري في جيش النصر، لـ”الصوت السوري” “الهدن الفردية لعبت دوراً في تركيز النظام على مناطق محددة وإقصاء مناطق أخرى لا تدخل ضمن خططه وأهدافه العسكرية الحالية”، معتبراً أن “الهدن تخرج المنطقة عن المسار الثوري، وتفشي فكرة المصالحة مع النظام، فضلاً عن أن عواقبها قد تصل إلى خروج الثوار وأهالي المنطقة كما حصل في بلدات ريف دمش”.

“وتخلف الهدن آثاراً عدة على المنطقة المهادنة بدءاً من تسليم مناطق الثورة إلى لجان المصالحة التابعة للنظام، ووصولاً إلى انتشار ظاهرة الاستغلال المادي من خلال طلب الفدية المادية من قبل العناصر التابعين للنظام، مستغلين خروج الثوار المقاتلين”، وفق ما ذكر الحقوقي عبد الناصر حوشان لـ”الصوت السوري”.

عقد النظام السوري أولى هدنه في مدينة كفرنبودة بريف حماة الشمالي عام 2014، وسرت الهدنة لمدة سنة واحدة، ومع بدء التدخل الروسي تم نقض الهدنة واقتحام المدينة، وفي أواخر 2016 أبرمت هدنة أخرى في المدينة ولا تزال مستمرة.

وتشمل الهدن المناطقية في ريف حماة كلاً من مدينة قلعة المضيق التي تعتبر مركزاً تجارياً لتبادل المواد التجارية بين النظام والمعارضة، فضلاً عن هدن فردية في بعض قرى سهل الغاب بريف حماة.

في خضم الحرب المشتعلة في عامها السادس فإن المدنيين بين خيارين لا ثالث لهما، إما هدنة تحميهم من القصف العشوائي وتقيهم نار الحرب، أو البقاء تحت مرمى القصف الجوي ونيران الأطراف المتصارعة.

وباختيارهم الهدنة “قد تتحول تبعيتهم مع مرور الزمن من منطقة ثائرة إلى موالية للنظام، إذ أن النظام يشترط مع مضيّ فترة زمنية على الهدنة عودة مؤسساته للعمل في المنطقة، أو إقامة نقطة عسكرية بذريعة المراقبة، وقد يصل الأمل إلى الضغط على شباب المنطقة وتجنيدهم لصالحه تحت مسمى الدفاع الوطني” وفق ما ذكر مصدر مطلع على شروط الهدن المناطقية في حماة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق