السير في طرق التهريب (غير الشرعية) المحفوفة بالمخاطر والصعوبات لا زال مستمراً لدى السوريين، بحثاً عن الأمان، بعيداً عن الموت المحدق في وطنهم، في الوقت الذي لم تترك دول العالم طرقاً شرعية لخروجهم، وكان آخرها تركيا التي لطالما كانت المنفد الوحيد للسوريين.

إغلاق تركيا لحدودها بوجه النازحين السوريين إلا لفئات قليلة ومحددة، جعل من ظاهرة الإتجار وتهريب البشر تنتشر بكثرة في شمال سوريا، ليبدأ فصل جديد من معاناة النازحين السوريين خلال رحلة “الهروب من الموت”.

حيث وثقت منظمات حقوقية وإنسانية عديدة، مقتل العشرات من السوريين أثناء عبورهم بطريقة غير شرعية نحو تركيا، كان أخرها مقتل 11 شخصاً على يد حرس الحدود التركي (الجندرما)، في الـ 18 من حزيران/ يوليو هذا العام، في حين تعرض الكثيرون للاستغلال والسرقة على أيدي المهربين.

حسان، شاب من العاصمة دمشق (355 كم عن الحدود التركية)، قرر الخروج من سوريا هرباً من بطش النظام، وخوفاً من السوق إلى الخدمة العسكرية في صفوف النظام، بعد ورود اسمه ضمن لائحة المطلوبين للخدمة الإحتياطية، فاتجه إلى تركيا بعد تواصله مع عدد من المهربين.

قال حسان لمراسل “الصوت السوري” “عزمت على الخروج من دمشق، فتوجهت إلى مدينة حماة ومنها إلى ريفها الشمالي المحرر، عبر أحد المهربين الذين اخبرتهم عن مبلغ 7 آلاف دولار بحوزتي كي لا يتسنى لحواجز النظام سرقتهم، لأبدأ بعدها الاتفاق مع مهربين أخرين على مبلغ 2000 دولار، مقابل تأمين عبور نحو تركية من خلال الشريط الحدودي”.

وأكمل حسان “خلال انتظاري لموعد الانطلاق تفاجأت بهجوم ملثمين اثنين يحملون السلاح، ليذهبوا بي إلى منطقة مهجورة وينهالوا علي بالضرب حتى كسرت يدي، ليظهر المهرب ذاته بعد يومين، على أنه المخلص لي وسيسرع من إخراجي من المنطقة نحو قرية حدودية تدعى خربة الجوز، والتي رأيت فيها ضحايا كثر مثلي”.

حادثة حسان واحدة من عشرات القصص التي تحدث يومياً في رحلات الهروب إلى تركيا. فقد روى أبو أحمد، من قرية الخريطة في ريف ديرالزور لمراسل “الصوت السوري”، عن رحلته مع مجموعة من الأقارب إلى تركيا، هرباً من الوضع السيء التي تعانيه دير الزور تحت حكم تنظيم داعش من جهة، وتفشي الفقر والبطالة في المنطقة من جهة أخرى، ليقعوا “تحت قسوة وجشع وطمع” المهربين.

قال أبو أحمد: “وصلنا إلى بلدة بداما في ريف جسر الشغور الغربي، القريبة من الأراضي التركية، بعد رحلة 20 يوم انطلاقاً من دير الزور إلى اعزاز مروراً بمدينة عفرين إلى جسر الشغور في إدلب”.

وأضاف أبو  أحمد “هنا بدأ المهربون بالسمسرة والإتجار بنا على أننا أرقام لا أكثر، فأصبح كل مهرب يطلب مبلغاً مالياً مختلفاً مقابل عبور أمتار قليلة داخل الأراضي التركية، وطلب  أحد المهربين 300 دولار أمريكي على كل فرد سواء كان كبيراً أم طفلاً صغيراً، ليصبح المبلغ ضخماً جداً أمام كثرة أفراد العائلة وظروفنا المادية السيئة”.

محاولات متكررة تبوء بالفشل في كل مرة، بعد أن يلقي حرس الحدود التركي “الجندرما” القبض على أبو أحمد وعائلته، ما رتب عليه مبالغ مالية إضافية، إذ أن في كل محاولة لا بد أن يدفع للمهربين.

ورغم ازدياد أعداد المهربين وعمليات التهريب يومياً في نقاط عديدة على طول الحدود السورية – التركية، إلا أنه لم يُعمل على مكافحة تلك الظاهرة، التي تزيد من معاناة السوريين واستغلالهم، وتذهب بالكثيرين إلى الموت عبر طرق التهريب، بعد أن هربوا من موت داخل مدنهم وبلداتهم.

التشديدات الأمنية للحكومة التركية على الحدود، أوجدت عشرات العائلات المشردة على الحدود، بعد أن دفعت كل ما تملك للمهربين، استقر بها الحال في المخيمات بعد أن عجزها من الخروج إلى تركيا أو العودة إلى مناطقها الأصلية.

يذكر أن 200 شخص يومياً يحاولون العبور إلى الأراضي التركية، وفق ما أفادت مصادر محلية في ريف اللاذقية لمراسل “الصوت السوري”، ولكن التشديدات الأمنية التركية تفشل أغلب المحاولات لأولئك الأشخاص، مما يجعلهم يقعون عرضة لاستغلال المهربين.