ملفات

ريف إدلب: مشكلة المياه.. حلول مقترحة ومخاطر منتظرة

 يعاني ريف إدلب، شمال سوريا، من أزمة انقطاع المياه وقلة توفرها من جهة، وصعوبة تأمينها من جهة أخرى، إذ توقفت شبكات المياه ومحطات الضخ ا الرئيسية، جراء استهدافها بغارات جوية، فيما توقف بعضها نتيجة شحّ الوقود اللازم لتشغيلها.

تدهور قطاع المياه دفع الناس للبحث عن بدائل جديدة تساعدهم في توفير المياه، كحفر الآبار الجوفية، ونقلها عبر صهاريج لمسافات طويلة، ولكن ذلك ولّد مشكلات صحية، نتيجة تلوث المياه، وزيادة الأعباء المادية على المدنيين، لا سيما أن تكلفة استخراج المياه ونقلها، مرتفعة نسبياً، نظراً إلى الحاجة اليومية للمياه.

التكلفة المادية للحصول على الماء:

أبو أحمد من سكان ريف إدلب الجنوبي، ربّ أسرة لعائلة مكونة من 8 أشخاص، يحتاج 10 آلاف ليرة سورية شهرياً  لتأمين المياه، وتختلف الأرقام من عائلة إلى أخرى.

يقول أبو أحمد لمراسل “الصوت السوري” “احتاج في الشهر الواحد لصهريجين من الماء، يصل سعر الصهريج الواحد  سعة 40 برميل الى 5000 ل.س، وهذا يشكل عبئاً كبيراً، إذ أعمل فلاحاً، وتأثرت قدرتي المالية بشكل كبيبر في ظل الأحداث، ولكن لا حياة دون ماء، ولا بدّ من تأمينها”.

محمود الابراهيم من قرية كفرعويد بريف إدلب الجنوبي، يعمل على صهريج مياه متنقل، أوضح من جانبه لمراسل “الصوت السوري” عن أسباب ارتفاع سعر المياه، يقول الابراهيم “أقرب مصدر للمياه إلى قريتنا يبعد 14 كم،  ناهيك عن سعر الماء من المصدر، حيث يصل أحياناً الى 1300 ل.س للصهريج الواحد، حسب سعر المازوت اللازم لاستخراج الماء، ومسافة النقل، وسعر الماء من المنهل”، مشيراً أن هامش ربح العاملين على الصهاريج لا يتعدى  1000ل.س، ويصل الصهريج إلى المواطن بـ 5000 ليرة سورية”.

مصادر المياه :

يعتمد ريف إدلب في تأمين المياه للأهالي قبل بداية الأحداث في ربيع 2011، على مشاريع ضخ من الينابيع  في بعض مناطق المحافظة، كمشروع “اللج” ومشروع “عين الزرقاء”  وينابيع “العدوسية والحمبوشية” وغيرها، وفي الغالب يكون مصدر المياه في الريف الجنوبي عن طريق الآبار الجوفية، وكانت نسبة تغطية الريف بالماء  بـ 90%، أما في ظل الأحداث تدنت نسبة التغطية إلى 50%، رغم وجود العديد من المشاريع التي نفذتها منظمات المجتمع المدني، والمجالس المحلية، وفق ما قاله المهندس بسام رزوق، مدير وحدة المياه في مؤسسة مياه إدلب سابقا، و مدير برامج روش في منظمة إحسان للإغاثة والتنمية حالياً.

عبد المجيد العبدو، مدير قسم المشاريع والدراسات في مجلس محافظة إدلب، قال لمراسل “الصوت السوري” “بعض البلدات كانت تروى من مشاريع مياه كبيرة، مثل مشروع اللج، الذي كان يروي 35 بلدة تقريباً، مزرعة في جبل الزاوية ومنطقة كفرنبل، توقف عن العمل في بداية عام 2015 بسبب تعطل محطة زيزون الكهربائية التي كانت تمده بالتيار الكهربائي، نتيجة معارك سهل الغاب في تلك الفترة، فضلاً عن عدم وجود الكلفة التشغيلية لتشغيله على المضخات باستخدام المولدات الكهربائية، الامر الذي جعل هذه البلدات دون مصدر مائي، وجعلها تعتمد على نقل المياه عن طريق الصهاريج من المناهل القريبة”.

ونوّه العبدو إلى “عدم التوزيع العادل لدعم المشروعات المائية من قبل المنظمات الإنسانية العاملة بالمنطقة”.

الحلول في معالجة تأمين المياه باعتبارها حاجة يومية:

تختلف معاناة سكان ريف إدلب الجنوبي في تأمين المياه بين منطقة وأخرى، فهناك مناطق تم تأهيل محطات الضخ فيها، وتقوم حالياً بإرواء الأهالي، كمشروع مياه مدينة كفرنبل، بينما لم تستطع بلدات أخرى من تشغيل محطات الضخ نظراً للتكلفة التشغيلية المرتفعة، التي لا تتناسب مع إمكانياتهم المادية رغم إنشاء نظام “جباية” لدفع فواتير المياه.

ما دفع بعض القرى والبلدات إلى حفر الآبار، سعياً لتخفيف الأعباء المادية المترتبة على المدنيين، لارتفاع سعر المياه القادمة من مسافات طويلة.

تأمين المياه للمواطنين من أولويات مجلس محافظة إدلب، وفقاً لمدير قسم المشاريع والدراسات في محافظة إدلب، قال لمراسل “الصوت السوري” “نسعى إلى تأمين المياه من خلال التواصل مع الجهات الداعمة، وذلك لتقديم الدعم الذي يساعد على تجهيز المحطات والآبار أو دعم تشغيلي لها”.

وحاولت بعض المنظمات الإنسانية كمنظمة “ريليف انترناشيونال” المساهمة في التغلب على واقع المياه في بعض مناطق ريف إدلب، عن طريق تأمين صهاريج مجانية للمواطنين، “إلا أن هذه الصهاريج قدمت للنازحين في تلك المناطق ولم تشمل جميع سكان القرى، فضلاً عن توقف منذ  3 شهور تقريباً، لاعتبارات خاصة لدى المنظمة”، وفق ما قاله أحد المشرفين سابقاً على مشاريع المنظمة ” لمراسل “الصوت السوري”.

المياه التي تضخّ مباشرة بعد استخراجها، قد تحتوي على نسب مضرة من المكروبات والجراثيم ما لم يتم تعقيمها، وهذه المشكلة سعت بعض المنظمات تداركها، ومنها منظمة  “ريليف انترناشيونال” وذلك عن طريق توزيع حبوب “أوكوتابس” المعقمة للمياه على الأهالي في منازلهم، إذ تعقم كل كبسولة 20 لتر ماء.

سامر البكور، أحد المشرفين على مشروع منظمة “ريليف انترناشيونال” سابقاً، قال لمراسل “الصوت السوري” “قامت المنظمة في مرحلة ثانية، من تقديم مادة “كلور البودرة ” وتم تسليمها للمجالس المحلية للقيام بتعقيم الآبار في البلدات التي تمثلها، مع تنظيم دورات لتلك المجالس لشرح طريقة استخدامه، ولكن لا توجد جهة رقابية مختصة بموضوع مراقبة المياه وصلاحيتها، سوى رقابة المنظمات الانسانية للمشاريع التي تنفذها”.

مبادرات شعبية لحفر الآبار في ريف إدلب الجنوبي كحل مطروح :

كفرعويد في ريف إدلب الجنوبي، واحدة من القرى التي تفتقد لمصدر مائي يروى سكانها المقدر عددهم بـ 10000 نسمة، كانت تعتمد على مشروع مياه “اللج “، وبعد توقفه عن العمل سعى المجلس المحلي في القرية إلى تامين منهل مائي للأهالي، إلا أن مساعيه لاتزال في طور البحث عن تأمين تكلفة حفر البئر بشكل مبدئي والاعتماد أيضا على المبادرة الشعبية في إكمال المبلغ المطلوب، حسب الأستاذ علاء الددو، رئيس المجلس المحلي في البلدة الذي تحدث لمراسل” الصوت السوري”.

وأضاف الددو “لعدم تناسب  القدرة المالية للمواطن في البلدة مع تكلفة الحصول على المياه، خاطبنا العديد من المنظمات للمساهمة في حفر بئر للقرية، وكان ردها بأنها لا تقوم بالحفر بل تقوم بتجهيز البئر بعد الحفر لاعتبارات خاصة لديها، فبدأنا بالتواصل مع المغتربين من أبناء البلدة من أجل التبرع لهذا المشروع، بالإضافة إلى المبادرة الشعبية من قبل أهالي البلدة لتأمين المبلغ اللازم للحفر والذي يقدر بـ 25000دولار امريكي “.

المخاطر التي قد تسببها بعض المشاريع لاحقاً كحفر الآبار:

كثرة الآبار الجوفية له تأثير كبير وخطير على المخزون الاستراتيجي للمياه الجوفية بشكل عام، وهذه الخطورة زادت نسبتها بشكل كبير في ظل الأحداث في سوريا، وتعطل مشاريع مياه كبيرة عن العمل في محافظة إدلب، ما دفع إلى حفر الآبار بكثرة التي كانت إدلب بغنى عنها سابقاً.

لتصبح العديد من البلدات والقرى تؤمن المياه من آبارها بشكل منفرد، رغم تشاركها سابقاً في مصدر مياه واحد، كمحطة “كرسعا” في ريف إدلب الجنوبي، التي كانت تغذي 7 قرى بالمياه سابقاً، أما الآن فكل قرية من القرى الـسبعة حفرت بئر خاص بها نظراً لتوقف المحطة عن العمل،  وهو ما يترتب عليه آثار سلبية مستقبلية على مستوى المياه الجوفية وانخفاضه، وفق ما ذكر مدير مؤسسة المياه في إدلب لمراسل “الصوت السوري”.

يرى كثيرون من أهالي ريف إدلب الجنوبي أن تجربة حفر الآبار بمبادرة شعبية نجحت في الكثير من القرى والبلدات التي تفتقد لمصدر مائي، بالرغم من المخاطر التي ترافق هذه الخطوة من انخفاض لمستوى المياه الجوفية، إلا أن الحاجة دفعتهم إلى تجاهل هذا الأمر.

وتكفلت بعض المنظمات الانسانية في تجهيز تلك الآبار بعد حفرها، وهو ما خفف العبء المادي فعلياً على الكثير من أهالي تلك القرى والبلدات، بالمقارنة مع أخرى لا تملك مصدراً قريباً للمياه ،  ولا تزال تؤمن المياه عبر الصهاريج من مسافات بعيدة، كقرى “الموزرة” و “عين لاروز” و “بسامس”  وغيرها من قرى جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي.

آبار1

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق