عُرفت سوريا بتركيبة سكانية أشبه ما تكون بـ “لوحة فسيفسائية”، تعايش السوريون فيها بمختلف مذاهبهم وأعراقهم وتوجهاتهم، إلا أن الحرب الدائرة في سوريا، أدت إلى تصدّع ذلك النسيج الاجتماعي، نتيجة تغذية أطراف النزاع وداعميهم، لصراعات عرقية وطائفية.

بدأ العزف على وتر “الطائفية” عندما اعتقل النظام السوري المتظاهرين بداية الثورة السورية، وتوجيه كلمات طائفية للمعتقلين، وهذا مؤشر على أن بعض حالات القتل والتعذيب تمت على أساس طائفي، ولعبت تنظيمات متطرفة كتنظيم داعش على الوتر الطائفي والعرقي أيضاً، وفق ما ذكر الأستاذ بسام الأحمد، مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، لـ “الصوت السوري”.

أما الأستاذ عبد الله الطنطاوي، أديب ومفكر سوري، يعتقد أن 8 آذار 1963، كان نقطة تحول في تاريخ سوريا الإنساني والحضاري، وكان بداية ظهور الأمراض المجتمعية، وفي طليعتها مرض “الطائفية” الذي كاد يقضي على روح المواطنة.

وفي حديث لـ”الصوت السوري” مع الأستاذ الطنطاوي،قال “أنا من مدينة اعزاز في ريف حلب، وهي صورة مصغرة لسوريا التي علمت الدنيا ألف باء الحضارة، وكانت مثالاً للمحاضن الإنسانية”.

وأضاف الطنطاوي “يعيش في مدينتي الأرمن، والأكراد والشركس والتركمان، وكانت تربطهم المودة والألفة، وضربت بمدينة اعزاز مثالاً لأني كنت شاهداً عليها.

النظام والحرب الطائفية

قال الأستاذ بسام الأحمد “بداية عملنا في توثيق الانتهاكات، وصلتنا حالات قتل على أساس طائفي أبرزها مجزرتي البيضا وراس النبع في بانياس، وفي محافظتي حمص وحماة”.

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في أواخر شهر يناير 2012، مجزرة كرم الزيتون، نفذتها قوات النظام السوري، على ثلاثة أيام راح ضحيتها أكثر من 42 قتيلاً من بينهم 8 أطفال، وحسب التقرير فإن المجزرة تمت بإعدامات ميدانية على أساس طائفي، بحق سكان وأطفال، بما يشكل مجازر تطهير إثني.

وفي أواخر أيار من 2012 وقعت مجزرة في منطقة الحولة بريف حمص راح ضحيتها أكثر من 100 مدني بينهم 30 طفلاً، شارك في المجزرة آنذاك عناصر أمنية للنظام بمشاركة “الشبيحة” وبعض سكان القرى العلوية المحيطة بالقرية، في دوافع وصفها حقوقيون بأنها “طائفية”.

هذا النوع من المجازر والأحداث دفع باللجنة الدولية للصليب الأحمر منتصف عام 2012، إلى وصف الوضع في سوريا على أنه نزاع مسلح.

داعش والنسيج الاجتماعي

برز على الساحة السورية ما هو أخطر من الصراع الطائفي والمذهبي، وهو إفساد “النسيج الاجتماعي” لأصحاب المذهب الواحد والقومية الواحدة، وبرز هذا النوع مع ظهور تنظيم داعش، وسيطرته على مناطق في دير الزور والرقة والحسكة، وانقسام الناس بين مناهض له، ومنخرط في صفوفه طوعاً أو كرهاً

“سيطرة التنظيم على مناطق في سوريا، وتغلغله بين السوريين، أوقع الأهالي بين الخوف والشك، وأصبحا هاجسين لا يفارقا عائلة، أو شارع، وبات الخوف والريبة واقع لا تمحوه ابتسامة مجاملة، أو اعتزال الناس للناس خوفاً بوقوع خطأ غير مقصود، يفصح به أحدهم عن عدائه للتنظيم، مما سيؤدي إلى كارثة، حدّها القتل”، وفق ما قال فرات الوفاء، لـ “الصوت السوري”.

ويروي الوفا قصة لعائلة في الرقة انضم اثنان من أبنائها لتنظيم داعش، وأصبحوا يتطاولون على أفراد عائلتهم، ويضغطون على العائلة بورقة داعش، مما أدى إلى خصومة في العائلة الواحدة وإفساد العلاقات الأسرية.

ومما زاد في “التصدع الاجتماعي” وفق فرات الوفا، وجود قرى وعشائر بايعت تنظيم داعش باسم تلك العشائر أو القرى، وتسلطوا على عشائر أخرى، وسلبوا حقوقهم، مستخدمين “سلطة التنظيم”.

ولعلّ أسوأ صور إفساد داعش للمجتمع السوري، أن تسمع خبر ولد منتسب للتنظيم يقتل والدته، أو يطعن أباه، وآخر يقتل ابن عمه، أو زوج أخته، وبعذ هذه القصص موثقة بالصوت والصورة، وفق ما ذكر فرات الوفاء، لـ”الصوت السوري”.

ومحافظة دير الزور، شرق سوريا، إحدى المناطق السورية، التي شهدت تصدّعاً في نسجيها الاجتماعي، نتيجة وقوعها تحت سطوة تنظيم داعش، وحسب أحمد الرمضان، مدير حملة دير الزور تذبح بصمت “تنظيم داعش أفسد الحياة الاجتماعية في دير الزور، وجاء بقوانين أبعدت الأهل والأقارب عن بعضهم، والأخطر من ذلك أنها أفسدت النسيج العشائري، الذي تعرف به دير الزور”.

ويعتقد الرمضان أن “الفساد الذي سببه التنظيم في البنية الاجتماعية لدير الزور لا يمكن معالجته بسهولة، ولا بد من وقت طويل لإصلاح ما فسد لا سيما أن التنظيم، يمارس غسيلاً دماغياً لجيل كامل في مناطق سيطرته”.

بدر الخلف، صحفي سوري، هجر دير الزور إلى خارج سوريا، بعد أن أصبح مطلوباً لـ”تنظيم داعش”، قال في حديثه لـ”الصوت السوري” “انقطع التواصل مع أصدقائي وأولاد عمومي منذ سنتين، لأني حسب التنظيم (مرتد)، وقد يتعرض من يتواصل معي للإعدام، مما خلق خوفاً كبيراً لدى المقربين لي من التواصل معي”.

بدر انقطع حتى عن أقرب الناس إليه، عن أهله، إذ لا يمكن لنساء عائلته من التواصل معه، فعناصر كتيبة الخنساء، وهم عناصر نسائية، تجول في مقاهي النت، لمراقبة النساء اللواتي يتواصلن مع أقربائهن في الخارج.

وقصة أخرى رواها الخلف لـ “الصوت السوري” عن عائلة في البوكمال، قتل خمسة من أبنائهم على يد تنظيم داعش، ولكن أحد أقاربهم مبايع للتنظيم، مما أدى إلى انقسام في العائلة بين ذوي الشهداء المبايغ للتنظيم.

تطبيق تنظيم داعش الحكم المحلي على المدنيين بـ “قوة السيف” دفع بعض شباب المناطق الواقعة تحت سيطرته، إلى مبايعة التنظيم ليحصلوا على “السلطة” لممارستها ضد الآخرين، أو للحصول على ميزات لا يحصل عليها سوى أتباع التنظيم.

وحدات حماية الشعب ودورها في الصراع

بدأت معركة تل أبيض في أواخر آذار/ مارس 2015، وهي عملية أطلقتها وحدات حماية الشعب الكردية YPG بالاشتراك مع لواء ثوار الرقة، كبداية مرحلة جديدة تهدف إلى السيطرة على ريف الرقة الشمالي، ومن ثم التقدم نحو “الرقة” عاصمة التنظيم في سوريا.

تمكنت YPG ولواء ثوار الرقة من السيطرة على تل أبيض وطرد التنظيم منه، ولكن هذه المرحلة شهدت اتهامات لـ YPG بارتكاب انتهاكات بحق العرب في المنطقة، بتهمة انتمائهم لـ”داعش”، لتكون هذه أزمة جديدة يصاب بها المجتمع السوري.

وبما أن YPG من القومية الكردية، بدأت الفجوة بين العرب والأكراد تزيد، على الرغم من التعايش بينهما لعشرات السنين.

يقول ناشط حقوقي، رفض ذكر اسمه، لـ”الصوت السوري” “عندما تقصف دير الزور أو الرقة ويذهب ضحية القصف أطفال وأبرياء، نسمع أصواتاً شاذة – مع الأسف – تنعتهم بأنهم حاضنة للدواعش، وكذلك في المقابل عندما سقط عشرات الضحايا في تفجير القامشلي قبل أيام قليلة، ارتفعت بعض الأصوات المؤيدة للتفجير باعتباره في مناطق سيطرة YPG”.

من جهته قال الصحفي محمد ابراهيم ، كردي سوري، لـ “الصوت السوري” “أثرّت الحرب في سوريا على النسيج الاجتماعي نسبياً، لا سيما أن النظام السوري لعب بإتقان في زرع بذور الفتنة بين العرب والأكراد، وكان يسوق الشعب الكردي للعرب على أنهم انفصاليين، ويتعاملون مع العدو”.

وأضاف ابراهيم “لعب الإعلام دوراً سلبياً في تسويق الأكراد، فوحدات حماية الشعب نسقت بعض عملياتها مع النظام السوري، ورغم وجود أصوات كردية كثيرة ضد وحدات الحماية، إلا أن الإعلام يصور أن جميع الأكراد معهم”.

هل تعود “اللوحة الفسيفسائية” كما كانت؟

في كلمة ألقاها رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “جون برينان”، في منتدى “أسبين” الأمني الدولي، عبّر عن عدم تفاؤله بمستقبل سوريا، أن ينتهي مصير سوريا إلى التقسيم، وحسب قوله “لا أعرف ما إذا كان يمكن أو لا يمكن عودة سوريا موحدة مرة أخرى”.

من جهته قال ناشط حقوقي، لمراسل “الصوت السوري” “رئيس وكالة المخابرات الأمريكية صرح برأيه على الملأ، ولكن ضمن الاجتماعات المغلقة لدبلوماسيين في دهاليز السياسة العالمية يتم الكلام عن ذات المصير لمستقبل سوريا”.

الأستاذ بسام الأحمد قال لـ “الصوت السوري” “الطريقة الوحيدة للحفاظ على سوريا هي محاولة وقف النزاع في المرحلة الأولى، وحماية المدنيين ووقف قتلهم، والبحث عن حلول تخرج سوريا من أزمتها وصولاً إلى مرحلة العدالة الانتقالية، وهنا لا أقصد إفلات المجرم من العقوبة، ولكن المحاسبة في إطار القانون”.

وحمّل الأحمد “النخبة السياسية” من النظام والمعارضة مسؤولية التقسيم الطائفي أو العرقي، مشيراً أن ذلك موجود عند النخبة، ولكن قد لا تجده عند عوام الناس.

أما الصحفي محمد إبراهيم قال لـ “الصوت السوري” “بمجرد عودة الحياة المدنية إلى سوريا سيعود النسيج كما كان عليه، ولكن في ظل مجموعات عسكرية، لن يتمكن المجتمع المدني من رأب الصدع″، مشيراً أن “مدينة القامشلي شهدت عدة ندوات لمنظمات المجتمع المدني، تسعى للحافظ على السلم الأهلي المشترك والنسيج الاجتماعي، ولاقت تلك المبادرات بإقبال جماهيري”.

وكان الائتلاف الوطني السوري، شكّل ما يسمى “مجلس السلم الأهلي” في نيسان / أبريل عام 2013، بهدف إيجاد حراك اجتماعي موسع، لتلافي الانقسامات وآثارها السلبية الحادة على المجتمع السوري.

ويبقى الرهان في عودة النسيج الاجتماعي السوري، معقود على وعي الشارع السوري، وإدراكه لضرورية العيش المشترك، وحسب ما أفاد ناشطون حقوقيون لـ “الصوت السوري” فإن عدد من منظمات المجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية، تعمل على موضوع النسيج الاجتماعي، والعدالة الانتقالية والمواطنة.

يذكر أن اندلاع الثورة السورية ضد النظام السوري، لم يكن على أساس عرقي أو طائفي، فخرج عرب وأكراد الحسكة في مظاهرات سلمية ضد النظام السوري، ولمعت خلال سنوات الثورة أسماء شخصيات معارضة من الطائفة الدرزية والعلوية.

الاكراد-620x330