تقارير

طبيب من درعا: يجسد واقع القطاع الطبي وتحدياته

من إسعاف الجرحى في الأقبية، والغرف المظلمة، والحارات الضيقة، تحت تهديد الاعتقال، إلى تقديم الخدمات الطبيبة في مستشفيات ميدانية، تحت تهديد القتل نتيجة القصف والغارات، هذه حياة أطباء سوريا، أو كما أطلق عليهم “الجنود المجهولون”.

الطبيب أبو عبد الله الحوراني، مختص في الأمراض النسائية والتوليد، ويعمل في عدد من المستشفيات الميدانية بمحافظة درعا، جنوب سوريا، استرجع شريط ذكرياته، خلال لقاء مع مراسل “الصوت السوري”، وكيف بدأ في العمل الطبي – خفية – بعيداً عن أعين النظام السوري، وتهريب الجريح من مكان لآخر حتى لا يتم تصفية المريض، واعتقال الطبيب!!

تخرج أبو عبد الله، ابن مدينة إنخل، من كلية الطب عام 2011، يتنقل بين مدينتي إنخل وجاسم، لأنه يعمل في عدة مستشفيات ميدانية في المنطقة، وهو من الأطباء القلائل الذين تحملوا تحديات الحرب ومخاطرها، قال لـ “الصوت السوري” “افتقرت الثورة السورية منذ انطلاقتها لمعظم الأطباء، منهم من نأى بنفسه عن إسعاف الجرحى، أو هاجر إلى خارج سوريا”.

كان يعمل أبو عبد الله في مستشفيات الحكومة السورية، ويعالج الثوار (سرّاً) في أوقات أخرى، حتى فصل من عمله عام 2013 بعد أن وصلت أخبار للنظام السوري عن عمله بتقديم العلاج، ومعالجة المصابين الذين أصيبوا أثناء مظاهراتهم السلمية في حوران.

وحسب الطبيب “النظام يعدّ كل مصاب أو جريح هو إرهابي، لا يحقّ له العلاج”، ما دفعه وأمثاله إلى “علاج الجرحى في الأقبية، والحارات الضيقة، والبيوت البعيدة عن أعين النظام، خوفاً من تصفية الجريح ومحاسبة الطبيب”. وفق ما ذكر في حديثه لـ “الصوت السوري”.

اعتقل الطبيب أثناء إسعافه لجريح أصيب برصاصة مصدرها قوات النظام، وبعد نقله إلى مشفى قريب من حواجز النظام، فارق المصاب الحياة، واعتقل الطبيب ومن معه”.

المواد الطبية، كانت من الدلائل الجرمية على تورط الأطباء في علاج المدنيين، ما دفع الأطباء إلى إخفاء المواد الطبية في أماكن لا يمكن الوصول إليها، خوفاً من عثور النظام عليها، ومصادرتها، لا سيما أن الأدوية كانت “عملة نادرة” لا يمكن التفريط بها، وفق الطبيب أبو عبد الله.

وفي المرحلة الثانية من العمل الطبي، بدأ الأطباء بتأسيس نقاط طبية، وتطويرها، حتى وصلوا إلى مرحلة المستشفيات الميدانية، فأسس الطبيب أبو عبد الله وعدد من أطباء درعا عام 2013 مستشفى “شهداء سوريا” في مدينة إنخل، ومستشفى “الرضوان” في مدينة جاسم بريف درعا الشمالي الغربي.

عمل في المستشفيين لمدة عام واحد، وبعد توفر طاقم طبي، قرر العودة إلى العمل باختصاصه في النسائية والتوليد، ولكن هذا لم يعفه من متابعة الحالات الإسعافية، لا سيما أثناء استهداف الأحياء السكنية، ووصول أعداد كبيرة من الجرحى، ما يضطره إلى ترك عيادته والتوجه إلى المستشفى الميداني، وفق ما ذكر لمراسل “الصوت السوري”.

يقوم الطبيب أبو عبد الله، بمعالجة 70 إلى 80 حالة يومياً، موزعة بين المستشفيات الميدانية وعيادته الخاصة، فضلاً عن 24 عملية جراحية في الأسبوع، وليس لديه يوم عطلة أسبوعية، وهذا حال من تبقى من الأطباء في مناطق سيطرة المعارضة.

مستشفى الرضوان، الذي ساهم في إنشائه الطبيب “أبو عبد الله” وعمل فيه، استهدف يوم الأحد الماضي، بأربعة غارات جوية، ما أدى إلى مقتل 10 أشخاص بينهم طبيب وممرض وأربعة سيدات وأطفال، وجاء ذلك ضمن سلسلة غارات استهدفت مدينة جاسف.

مدير مستشفى الرضوان في مدينة جاسم، قال لـ “الصوت السوري” ” استهدف المستشفى بثلاث صواريخ موجه بشكل مباشر من الطيران الحربي، ما تسبب في دمار الطابق الرابع في المشفى، وتدمير قسم المولدات الكهربائية، بالإضافة لتدمير منظومة الإسعاف وتدمير سيارتي الخاصة، وسيارة المسؤول الإداري في المشفى”.

وأضاف “تسببت الغارات بمقتل 10 أشخاص، بينهم المسؤول الإدراي للمشفى، والصيدلاني (نجدت الزعوقي) ، ووصل عدد الجرحى مايقارب 30 جريح، وكنت من بين المصابين، حيث تعرضت لإصابة بسيطة”.

وأشار الطبيب ” يعتبر مشفى الرضوان، مشفى مركزي في المنطقة، كونه يحتوي على كافة الاختصاصات”.

وعن إمكانية إعادة ترميم المشفى، قال “حصلنا على وعود فقط لإعادة ترميم المشفى من قبل بعض المؤسسات الطبية، لكن لم يصلنا شيء حتى اللحظة، ونحن الآن أمام خيارين : إما إعادة ترميم المشفى، أو توزيع الكادر على مستشفيات أخرى وإغلاق المستشفى “.

يذكر أن جميع المستشفيات الحكومية والخاصة في مناطق سيطرة المعارضة، خرجت عن الخدمة جراء استهداف النظام لها.

وحسب اللجنة السورية لحقوق الإنسان، بلغ عدد الأطباء المعتقلين لدى النظام السوري من محافظة درعا، منذ بدء الثورة حتى نيسان الماضي 220 حالة اعتقال، بعضهم تم الإفراج عنه والبعض لا يزال معتقلاً، وبقي مصير عدد كبير منهم مجهول حتى اللحظة.

وسجلت درعا اسم الطبيب “علي غصاب المحاميد” كأول ضحايا المحافظة من الأطباء، حيث تم اغتياله في كمين نصبه النظام السوري بعد اندلاع الثورة بأيام في 22 مارس 2011، حيث كان يقوم بإسعاف جرحى الجامع العمري، وقتل حينها مع طاقم المسعفين المرافقين له.

13871700_133651537073792_1812888736_n

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق