“مصائب قوم عند قوم فوائد”، مثلٌ ينطبق على بلداتٍ وقرى سورية، حوّلتها الحرب الدائرة، وخارطة سيطرة القوى العاملة في سوريا، إلى مراكز تجارية، وقبلة يحجّ إليها المستثمرون وأصحاب المهن، بعد أن كانت لا تعدو أكثر من مدن أو قرى بسيطة.

سرمدا، مدينة حدودية في محافظة إدلب، بالقرب من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، بعد سيطرة المعارضة على محافظة إدلب، وانفصال الشمال السوري عن مناطق سيطرة النظام السوري، تحولت إلى مركز تجاري يشهد تطوراً كبيراً يوماً بعد يوم، لتصبح نقطة عبور تجارية، لا سيما تجارة السيارات التي دخلت من الجانب التركي إلى المناطق المحررة.

أحمد السعيد، تاجر سيارات من إحدى قرى ريف إدلب، انتقل إلى سرمدا، مطلع عام 2014، ووجد في المدينة بيئة خصبة لعمله، نتيجة الطلب الكبير على السيارات الأوربية التي تدخل عن طريق معبر باب الهوى، إذ تعتبر تلك السيارات رخيصة الثمن، وجيّدة النوعية، بالمقارنة مع السيارات القادمة من مناطق سيطرة النظام، وما يتبعها من ضرائب باهظة، وفق ما ذكر السعيد لمراسل “الصوت السوري” في إدلب.

وأشار السعيد الى أن “ازدهار سرمدا لم يتوقف على تجارة السيارات فحسب، وإنما تشهد المدينة نمواً وانتشاراً كبيرين، لمحلات بيع الجملة، من مختلف الأصناف، منها الغذائية، والألبسة الأوربية، والأدوات الكهربائية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع في إيجار المنازل والمحال التجارية، إذ تصل أجرة المنزل العادي إلى 40 ألف ليرة سورية، أو ما يعادل 100 دولار أمريكي، وإيجار المحل من 60 إلى 80 ألف ليرة سورية، أي 150 دولار إلى 200 دولار أمريكي، وهذه الأسعار مرتفعة جداً مقارنة مع بلدا أخرى في إدلب وريفها.

وليس بعيداً عن سرمدا،  شهدت مدينة الدانا، ثورة اقتصادية، وأخرى عمرانية هي الأخرى، وفي لقاء أجراه مراسل الصوت السوري، مع أبو عبدو الحلبي، تاجر قطع غيار سيارات في المدينة، قال “لم يتغير عليّ الوضع هنا، وكأني لا أزال في محلي القديم بمنطقة الراموسة في مدينة حلب، وشعرت بأن مدينة الدانة تناسب مهنتي، والاقبال على المنطقة كبير جداً، نظراً لتوفر جميع القطع المطلوبة للسيارات في المناطق المحررة.

وقرب الدانة إلى الحدود التركية، كان سبباً في ازدهار التجارة فيها، لدرجة أن بعض الزبائن يقصد الدانة قاصداً مسافات طويلة من مناطق أخرى، وفق ما قال الحلبي.

وبدوره قال تميم السرميني، مدرس في أحد المعاهد الطبية بـ “الدانة”، اعتبر أن “مكان المدينة، ونسبة الأمان التي تحظى به، نوعاً ما، عن غيرها من المناطق، جعلها مناسبة لإقامة المعهد الطبي فيها”، مشبهاً أحد شوارع المدينة بشارع “الجزماتية” في منطقة الميدان بالعاصمة دمشق، الذي يشتهر بالمطاعم ومحلات الحلويات.

وقال السرميني “عدد لا بأس به من أصحاب المطاعم في حلب، وجد في المدينة مكاناً مناسباً لعمله، لتشهد المدينة انتعاشاً في سوق العقار، وتشهد المدينة حركة عمرانية جيدة، وارتفاعاً بأسعار إيجار وشراء العقارات.

لاشك أن التطور الاقتصادي والعمراني في تلك المناطق الحدودية، أبعدها عن خارطة اللاجئين، أو أصحاب الدخل المحدود، إذا أن أجرة منزل لشهر واحد في سرمدا والدانة، قد يكفي عائلة للعيش شهراً كاملاً في منطقة أخرى، ونتيجة لذلك تحولت تلك المدن إلى مناطق تجارية، لا يسكنها إلا صاحب مال، أو مهنة، أو وظيفة.