تقارير

25 ألف بطاقة أسرية لعائلات دوما وضواحيها.. تعزز الثقة بدوائر “المعارضة” رغم فقدان قيمتها خارج نطاقها

تعمل المؤسسات المدنية التابعة للمعارضة في الغوطة الشرقية على أن تكون ندّاً للنظام السوري في تقديم الخدمات للمدنيين، وأن تسدّ الفراغ الحاصل نتيجة غياب مؤسسات الدولة، وكان آخر تلك الخدمات إصدار 25 ألف بطاقة أسرية لتوزيعها على عائلات مدينة دوما وضواحيها.

بدأ السجل المدني بإصدار تلك البطاقات في 7 آيار/ مايو الجاري، بتكلفة 500 ليرة سورية للبطاقة الواحدة (1 دولار أمريكي) يعفى منها ذوي الشهداء والفقراء، وستوزع على العائلات في منطقة دوما وضواحيها، بعد أن حرم أهالي تلك المنطقة من تثبيت وتحديث بياناتهم في الدوائر الحكومية الموجودة في مناطق سيطرة النظام، بسبب حصار النظام للغوطة الشرقية منذ أيلول/سبتمبر 2012.

صورة لتوثيق معاملة في السجل المدني بمدينة دوما

ورغم أن تلك البطاقات تفقد قيمتها خارج مناطق سيطرة المعارضة، إلا أنها ضرورة ملحّة في مناطق صدورها لأنها تسجّل وتوثق وقائع الزواج والولادات والطلاق وتثبت نسب الأبناء إلى آبائهم، وتحفظ حقوقهم.

أبو عبادة، 44 عاماً، من مدينة دوما، أب لستة أبناء، آخرهم ولد في ذروة حصار الغوطة الشرقية عام 2014، ولم يتمكن والده من تثبيت حادثة ولادة ابنه الجديد على بطاقته الأسرية الصادرة عن النظام في دوائره.

يقول أبو عبادة لمراسل “الصوت السوري” في الغوطة الشرقية “حاولت بشتى الوثائل تثبيت واقعة ولادة ابني الجديد على البطاقة الأسرية الصادرة عن النظام ولكن لم أستطع ذلك، مما سبب لي قلقاً على مستقبله من حيث فرص التعليم والصحة وشتى مناحي الحياة”، مشيراً أن الخدمات لا تقدم لأي شخص إلا بعد إثبات انتمائه للعائلة رسمياً.

حصل أبو عبادة على “ورقة ثبوتية” من دائرة السجل المدني في المجلس المحلي لمدينة دوما (التابع للمعارضة)، حيث يقوم المجلس بإصدار أوراق ثبوتية لحالات الولادة والوفيات والزواج والطلاق، ولكن تلك الاوراق يصعب الاحتفاظ بها لسرعة تعرضها للتلف، وفق ما ذكر أبو عبادة لـ”الصوت السوري”.

من جهته أوضح الأستاذ عامر كيكي، رئيس دائرة السجل المدني في المجلس المحلي لمدينة دوما أهمية مشروع إصدار البطاقات الأسرية في حديثه لـ”الصوت السوري”، وقال كيكي “نهدف من هذا العمل المحافظة على دقة البيانات والمعلومات المدونة، والاطمئنان على سلامتها، وتأمين سهولة التعاملات التعليمية والخدمية والجنائية مع هذه البطاقة بكفاءة”.

صورة داخل مبنى السجل المدني في مدينة دوما

وبحسب الأستاذ كيكي “البطاقة العائلية مطلوبة لتسجيل الطلاب في المدارس والمعاهد والجامعات والتوظيف والزواج والطلاق والوفاة، وحالياً في الغوطة الشرقية مطلوبة للحصول على البطاقة الإغاثية”.

وأضاف الأستاذ كيكي أن “إصدار البطاقات الجديدة تم بالتنسيق مع عدد من أمانات السجل المدني في مناطق المعارضة السورية من خلال نوافذ تبادل المعلومات بين تلك الأمانات، وأنها مستوفية لكل ما هو مطلوب، وتحاكي البطاقة الأسرية التي كانت تصدر عن دوائر النظام سابقاً مع بعض الفروقات والتباينات البسيطة”.

ونوه كيكي إلى أن نموذج البطاقة الأسرية الصادرة عن السجل المدني لمدينة دوما معتمد على محافظة حلب “الحرة” وريفها حيث صدرت البطاقات فيها عام 2015، ولم يتم اعتماد تلك البطاقة إلا بعد عرضها على محافظة ريف دمشق “الحرة” والتوافق عليها هذا العام، على أن تطرح الفكرة على باقي مدن وبلدات الغوطة الشرقية وفق الشكل والمحتوى للبطاقة، ويتم العمل على إبراز جهة واحدة مسؤولة عن إدارة الأحوال المدنية في الغوطة الشرقية.

عبد الرحمن، مدني آخر من مدينة دوما، يبلغ من العمر 29 عاماً، وتزوج عام 2013، وثق عقد قرانه بورقة صادرة عن السجل المدني التابع للمجلس المحلي للمدينة، يرى أن البطاقة الجديدة تتميز بإمكانية الاحتفاظ بها، وتمنح الشخص مصداقية أقوى من الورقة القديمة، خاصة إذا تم اعتمادها في كل المناطق “المحررة”.

ويعتقد عبد الرحمن أن الخطوة الجديدة للسجل المدني – المتمثلة بإصدار البطاقات – هي ضرورة وليس مجرد زيادة في التنظيم والتوثيق.

يقول عبد الرحمن لـ”الصوت السوري” “توثيق حوادث الوفيات والزواج والولادات في السجل المدني أمر في غاية الأهمية لما فيه حفظ للنسب والحقوق من الضياع، وإثبات انتماء الإنساء إلى أرضه وترسيخ جذوره”.

ويعتبر عبد الرحمن أن غياب التوثيق الذي نتج عنه مثل تلك البطاقات يؤدي إلى آثار خطيرة، لا سيما مع حملة النظام في “التغيير الديموغرافي” لمحيط دمشق وتزوير ملكية أصحابها بهدف توطين أشخاص غير أهلها الأصليين كما حدث في أحياء من حمص والسيدة زينب جنوب دمشق.

ويعتقد المدنيون أن توثيق معاملاتهم، وما يرافقها من إصدار أوراق كالبطاقات العائلية من شأنه أن يضمن حقهم وحق أولادهم في أرضهم مستقبلاً، ويواجه عمليات “التغيير الديموغرافي”.

من ناحية أخرى، فإن إصدار البطاقات الأسرية في الغوطة الشرقية يحمل معه جملة من التحديات، لعلّ أهمها عدم الاعتراف بهذه البطاقة محلياً ودولياً من الدول غير المعترفة بمؤسسات المعارضة السورية.

وفي هذا الصدد يقول المحامي والناشط الحقوقي حسان محمود لـ”الصوت السوري” “قيمة هذه البطاقة خارج سوريا تتبع إلى الاعتراف بالكيان الذي تصدر عنه، وهو الحكومة السورية المؤقتة، فكل من يعترف بها يعترف بملحقاتها”.

وأضاف حسان أن “البطاقة الأسرية الصادرة عن النظام لا تتميز عن البطاقة الصادرة عن المجلس المحلي بشيء سوى اعتراف النظام نفسه بها”.

ومن التحديات التي تواجهها بعض عائلات الغوطة الشرقية أن بعض أفرادها يعيش في العاصمة دمشق، تحت سيطرة النظام السوري، وهو ما يدفع بهؤلاء إلى الاعتماد على الأوراق الرسمية الصادرة عن النظام، والاستغناء عن بطاقات المعارضة، لان “البطاقة الأسرية” الصادرة عن المعارضة هي تهمة بحدّ ذاتها يعاقب عليها النظام، لما تعنيه من اعتراف ضمني بالمعارضة.

ورغم أن تلك البطاقات تفقد فاعليتها خارج حدود الجهة المسؤولة عنها إلا أنها تعزز ثقة المجتمع المحلي في الغوطة الشرقية بمؤسساته، وتشعره بقدرة تلك المؤسسات على التنظيم وسدّ الفراغ الحاصل عن دوائر الدولة.

 

 

الوسوم

عبد الله همام

مراسل صحفي في ريف دمشق، مقيم في الغوطة الشرقية، عمل ناشطاً إعلامياً في مدينة دوما، وعمل في منظمة فكرة للتصميم والإنتاج الإعلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق