تقارير

الأطفال في سوريا عرضة لأمراض نفسية… والصحة النفسية والمجتمعية ضرورة لمواجهتها

“فوبيا الطيران” واحدة من المشكلات النفسية التي أصابت مئات الأطفال في سوريا، يعاني المصاب بها من العزلة والانطوائية، فضلاً عن الخوف الشديد من “الطيران” الذي لا يغادر سماء مناطق المعارضة السورية، مما أعطى أهمية لوجود فرق الصحة النفسية والمجتمعية، لا تقل عن القطاعات الطبية الأخرى.

الطفلة مريم، ذات العشرة سنوات، تسكن في إحدى قرى ريف إدلب الجنوبي، تعاني من “فوبيا الطيران”، وتقوم بحركات لا إرادية، وتصرفات غريبة، وما أن تسمع صوت الطائرات أو الانفجارات الناجمة عنها، حتى تهرع إلى أماكن في المنزل لتنزوي إليها، وفق ما ذكرت أمها.

تلازمت تلك الحالة مع مريم بعد أن طال القصف أحد المنازل المجاورة لها، وأحدث القصف انفجاراً عنيفاً، ومنذ ذلك الحين تتصرف مريم بسلوك غريب، يتمثل بحركات لا إرادية، وتبول لا إرادي، وشعور بالخوف، عجزا والداها عن تغيير سلوكها رغم المحاولات الشخصية المتكررة، إلى أن سيطروا عليها بعد تلقيها لجلسات “نفسية” عبر فرق تخصصية.

أزمة نفسية كبيرة تعيشها مريم ومئات الأطفال في الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام، نتيجة ظروف الحرب، وحالاتهم قابلة للتدهور، وأعدادهم قابلة للازدياد دون وجود معالج نفسي، أو من يساهم في توعية الأطفال، ومما يعقّد حالة الأطفال عدم معرفة الأهل كيفية التعامل الصحيحة وإعطاء حلول مناسبة لأطفالهم.

فريق الدعم النفسي (الصحة النفسية) التابع لمنظمة UOSSM الطبية، أشرفوا على حالة مريم، وشخصوا إصابتها بـ”فوبيا الطيران” ووضعوا برنامجاً لها، وخطةً صحية تناسب حالتها، فضلاً عن تخصيص جلسات خاصة حددها أحد الأطباء النفسيين في المنظمة.

بدأت المنظمات الطبية العاملة في الشمال السوري بإنشاء فرق الصحة النفسية والمجتمعية مطلع عام 2016، وأخذت تقوم بجولات ميدانية على منازل المدنيين والمخيمات، والاستقصاء عن حالات مرضية تعاني من مشكلات نفسية لتقديم النصائح وتوجيه الأهل لطرق العلاج السليمة، وتحويلهم إلى مراكز الرعاية الصحية النفسية القريبة منهم.

كان مركز البارة في ريف إدلب الجنوبي، ومركز دير حسان في ريف إدلب الشمالي أول مركزين متخصصين بالعلاج النفسي أنشئا في مناطق سيطرة المعارضة، وقدم المركزان خدماتهما لنحو 1600 مستفيد، من أنشطة الدعم النفسي والاجتماعي، وكشفا نحو 200 حالة سلوكية، ونحو 25 حالة اضطرابات وأمراض نفسية خلال الشهور الستة الماضية، وفق إحصائية خاصة حصل عليها مراسل “الصوت السوري” منهما.

وينقسم مجال عمل الصحة النفسية إلى ثلاثة أقسام، أو على ثلاثة مراحل: المسح الاجتماعي لسكان المنطقة وتقديم الإسعاف النفسي الأولي، ومن ثم زيارات للمدارس ورفع التوعية لدى الطلاب من أنشطة دعم نفسي واجتماعي والتعاون مع الكوادر التدريسية لمتابعة الحالات التي تعاني من مشكلات سلوكية، وأخيراً متابعة الحالات المرضية والاضطرابات النفسية في مراكز متخصصة وبإشراف أطباء نفسيين.

وتكتسب تلك الفرق أهمية ليس بما يخص الأطفال المصابين فحسب، وإنما لتوعية الأطفال غير المصابين وتقديم الرعاية الصحية للأطفال قبل أن تسوء حالتهم، وتتحول إلى حالات مرضية ملازمة لهم، وفق ما ذكر سمير أبو عمر، أخصائي إرشاد نفسي في فريق الصحة النفسية بريف إدلب الجنوبي لـ”الصوت السوري”.

وأوجدت فرق الصحة النفسية ما أسموه “نظام الإحالة العكسية”، أي توجيه الفريق إلى منزل المريض أو المخيم، بدلاً من توجيه المريض إلى المراكز الصحية القريبة، للحالات التي لا يمكن لأصحابها زيارة المراكز الصحية القريبة.

و تتخذ “الصحة النفسية والمجتمعية”  في عملها دوراً تكاملياً من خلال فرق “المسح الاجتماعي” و “الفريق الطبي” حيث يبدأ “المسح الاجتماعي” عبر زيارة المنازل بشكل يومي من خلال استمارات المسح التي تتضمن معلومات شخصية عن رب العائلة وعن دراسته والأطفال الذين يتابعون التعليم والأطفال المنقطعين والأسباب التي دفعتهم للانقطاع.

وتجمع الفرق معلومات حول المشكلات النفسية التي تعاني منها الأسرة بشكل عام، كما تجمع معلومات عن الوضع الاجتماعي للأسرة وتعاملها مع الوسط المحيط ، والوضع الاقتصادي وكيفية تدبير احتياجات العائلة والمشكلات الصحية للعائلة بشكل عام، وأخيراً يأتي دور الفريق الصحي لتقديم الدعم النفسي والصحي الأولي (BFA) للأسرة.

ويتم تحويل بعض الحالات إلى الطبيب النفسي مثل حالات الصرع، والوسواس القهري، والأفكار الذهانية، والاختلاجات، وحالات الضمور الدماغي، والتخلف العقلي واضرابات الهلع، وفق ما ذكر الطبيب أبو عمر.

وأشار أن من أهم الحالات التي تتم معالجتها في ظل الحرب وأصعبها هي: التبول اللاإرادي، فوبيا الطيران، التأخر الدراسي، الضغوط النفسية، فرط النشاط، اضطرابات ما بعد الصدمة.

تعاني فرق الصحة النفسية والدعم النفسي من عدم تقبل الناس للعلاج النفسي، واعتباره تدخلاً في خصوصياتهم، وهو ما يدفع بعضهم إلى اللجوء للأدوية النفسية دون مراجعة الجهات الطبية المختصة، ما ينعكس سلباً على حالة المريض.

أجملت الطبيبة بسمة منصور، إدارية في فريق التوعية الصحية بريف حماة، لـ”الصوت السوري” الصعوبات التي تواجه فرق التوعية الصحية، وهي “عزوف الناس عن الفرق لاعتبارها أنها تخترق حياتهم الشخصية، فضلاً عن حاجة بعض الحالات المرضية لوقت طويل حتى تحصل على نتائج جيدة، وصعوبة المواصلات وبعد المسافات، وأخيراً غالبية المرضى تريد تناول شيء مادي (كالأدوية) أكثر من الكلام والتوعية”.

وكانت المحكمة الشرعية في مدينة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي، قد أصدرت قراراً أواخر عام 2016، منعت بموجبه بيع الأدوية النفسية في الصيدليات دون وصفة طبيب، وفرضت عقوبات على من يبيع الدواء دون وصفة، وجاء قرارها آنذاك خشية الإدمان، ونظراً لتاثيرها على أعصاب المريض.

مزاولة عمل الصحة النفسية يجب أن يتم من خلال أشخاص حاصلين على مؤهل علمي مختص بالإرشاد النفسي، أو ما يوازيه مثل التربية وعلم النفس، ونظراً لقلة هذه الاختصاصات في الوقت الراهن، يتم تعيين أشخاص جامعيين، بعد إخضاعهم لدورات تدريبية في مجال الدعم النفسي والإسعاف النفسي الأولي.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق