تقارير

نتائج حصار الغوطة الشرقية تتجلى… مئات الإصابات بـ”التهاب الرئة” وتسجيل وفيات

ظهرت حالات مرضية – وُصفت بالخطيرة – في الغوطة الشرقية “المحاصرة”، كأمراض التهاب الرئة الحاد (ذات الرئة) عند الكبار، والتهاب القصيبات الشعرية عند الصغار، وهي أحد آثار الحصار المفروض منذ أواخر أيلول/ سبتمبر 2012، وفق ما ذكرت مصادر طبية عدّة لـ”الصوت السوري”.

فظروف الحياة المعيشية للمدنيين في الغوطة الشرقية واستخدام وسائل تدفئة وطهي غير صحية، كاستخدام الحطب والبلاستيك المحروق هي أهم المسببات لمثل تلك الأمراض، وفق ما ذكر الطبيب حسن عين لـ”الصوت السوري”.

آلاء عبد الله، طفلة من الغوطة الشرقية، تبلغ عامين من عمرها، حملت مرضها من مدينة دوما، حيث ولادتها ونشأتها، إلى العاصمة دمشق، حيث خرجت مع عائلتها من الحصار إلى دمشق قبل ثلاثة شهور.

أصيبت آلاء بالتهاب رئوي حاد، تم اكتشافه في دمشق (في مناطق سيطرة النظام)، وبحسب طبيبها “إصابتها ناجمة عن تعرضها لهواء ملوث منذ ولادتها، مما أثر على صحتها، وعرّض حياتها للخطر”، وفق ما ذكر الشاب سامر، والد الطفلة.

ويضيف سامر “ولدت ابنتي في فصل الشتاء، وكنّا آنذاك نستخدم الحطب، والنايلون في التدفئة والطهي، وكنا نسعى أن تكون الغرفة دافئة حتى نقي صغيرتنا الأمراض الناجمة عن برد الشتاء، ولكنها لم تنجو من آثار الدخاه، فأصيب بمرض ما كان ليصيبها لو توفرت وسائل التدفئة الآمنة”.

الغوطة الشرقية منذ حصارها في أيلول/ سبتمبر 2012 وحتى الآن تعتمد على الوسائل البديلة في التدفئة والطهي، وفي ذروة الحصار لجأ الناس إلى حرق النفايات، واستخدام الألبسة البالية، وأثاث المنازل وكان ذلك عام 2014.

فادي أبو الحسن ، إحدى الحالات المرضية التي رصدها مراسل “الصوت السوري” في الغوطة الشرقية، مصاب بالتهاب الرئة أو ما يعرف بـ”ذات الرئة”.

فادي، 36 عاماً، يقيم في مدينة دوما، ويعمل في المجال الإنساني، يقول لـ”الصوت السوري” “بدأت علامات المرض بضيق في التنفس، وألم في الصدر، ثم تطور الحال إلى سعال حاد بلغ حدّ التقيؤ، وضيق في الصدر”.

يضيف فادي “طلب الطبيب صورة أشعة، وتبين من الصورة أنني مصاب التهاب جرثومي حاد” مشيراً أنه استغرب من إصابته لأنه ليس مدخناً”.

صورة أشعة لمريض بالتهاب الرئة في الغوطة الشرقية

ولكن الطبيب المشرف على حالة فادي أخبره بأن “المرض ناجم عن تلوث الجو، ودخان الحطب، والغازات والغبار الناجم عن قصف الغوطة الشرقية”.

ظهرت في الغوطة الشرقية عشرات الحالات المرضية بالتهاب الرئة بين الصغار والكبار، فمجمع الحكيم الطبي في الغوطة الشرقية، وثق 382 حالة التهاب قصبات تم تشخيصها وعلاجها، كما وثق مستشفى دار الشفاء بمدينة حمورية 819 حالة التهاب شعب هوائية سفلى لأطفال دون سن الخامسة خلال ثلاثة شهور فقط، فضلاً عن 274 حالة التهاب قصبات شعرية لأطفال دون سن الست شهور، وفق إحصائيات خاصة حصل عليها مراسل “الصوت السوري” من تلك المراكز.

وسجل مستشفى القدس 24 حالة “ذات رئة حادة” لأشخاص بالغين، وفق ما ذكرت إدارة المستشفى لمراسل “الصوت السوري”.

بينما سجل مستشفى ريف دمشق التخصصي أكبر عدد من الحالات في الغوطة الشرقية، حيث بلغت نحو 1800 حالة التهاب قصبات شعرية، خلال شهرين فقط، بينها 25 شخصاً لقوا حتفهم.

الطبيب محمد أبو سالم، طبيب مقيم جراحة عامة وجراحة صدرية، يعمل في مشفى ريف دمشق التخصصي بالغوطة الشرقية، أوضح في حديثه لـ”الصوت السوري” أن “مرض الرئة يشيع في أماكن الحصار والحروب، وتدني عوامل الرعاية الصحية، وهو مرض يحمل حَدْثيَّة التهابية في الرئة وخصوصاً الحويصلات الهوائية، وينتقل للإنسان عن طريق القطيرات الملوثة المحمولة بالهواء”.

ونوه الطبيب إلى أن “المرض يعدّ من الأمراض الخطيرة و المعدية وتحمل خطورة وفاة ليست بالقليلة وتزداد نسبة الوفاة في أماكن الحروب وتدني الرعاية الصحية خاصة عند الأطفال والمسنين ومن لديهم أمراض مزمنة ومن يتعرض للهواء الملوث سواء بدخان المدافئ أو السجائر”.

وأشار الطبيب أن الغوطة الشرقية سجلت حالات وفاة كثيرة، لم يتم التأكد من أسبابها، ولكن الإصابة بهذا المرض، وندرة الدواء النوعي له، واستمرار تلوث الجو بالغازات والأغبرة الناتجة عن القصف والدمار أحد أهم الأسباب”.

الطبيب أبو اليسر عابدين، أخصائي بأمراض الأطفال في الغوطة الشرقية، هو الآخر حمّل الحصار وما أوجده من ظروف مسؤولية انتشار مثل تلك الأوبئة والأمراض.

وأضاف عابدين أسباباً أخرى غير استخدام وسائل غير صحية في التدفئة، وقال في حديثه لـ”الصوت السوري” “توقف برنامج اللقاحات، والنزوح المتكرر، وازدياد الكثافة السكانية، وانتشار حالات سوء التغذية بدرجات متفاوتة أدى إلى نقص المناعة، لا سيما عند الأطفال”.

“والمشكلة أن الغوطة الشرقية لا تمتلك علاجاً نوعياً جيداً لمواجهة هذه الأمراض، نتيجة أساليب النظام في الحصار، ومنعه دخول الأدوية إلى الغوطة الشرقية، وسجلت الغوطة حالات مرضية عند الأطفال بلغت حدّ القصور التنفسي، فضلاً عن تسجيل وفيات” وفق ما ذكر الطبيب عابدين.

سجلت الغوطة الشرقية خلال سنوات حصارها أمراضاً عدّة منها التهاب القصبات، والحصبة، والحصبة الالمانية، وبحسب الطبيب عابدين سجلت الغوطة نحو 30 إصابة بالحصبة الألمانية، ويعود السبب إل توقف اللقاحات منذ بدء الحصار.

جوّ الغوطة الشرقية يبدو ملائماً لمزيد من الأمراض، فحالات الربو لدى مراجعي العيادات الصدرية في مستشفى ريف دمشق التخصصي ارتفعت إلى 40 – 45%، والإسهال المائي، بينما تم تسجيل 25 حالة وفاة لأطفال نتيجة إصابتهم بإسهال حاد مع تقيؤ وارتفاع درجة حرارة الجسم وجفاف، وفق ما ذكر الطبيب عابدين.

ومن المشكلات التي تواجه القطاع الطبي في الغوطة الشرقية ظهور أمراض لا يمكن اكتشافها نظراً لغياب المختبرات الطبية الحديثة لفحص تلك الأمراض، ويعيش أكثر من 600 ألف مدني محاصر في الغوطة الشرقية من مخاوف أمراض مستقبلية قد تظهر لاحقاً.

يذكر أن الغوطة الشرقية خرجت عن سيطرة النظام السوري في أيلول/ سبتمبر 2012، ما دفعه إلى فرض حصار عليها، بلغ الحصار ذروته عام 2014، فلجأ المدنيون فيها إلى استخدام بدائل غذائية كعلف الأبقار بديلاً عن الطحين، ومواد تحلية غير السكر، كما استخدموا بدائل عن المحروقات، فاستخدموا الحطب والنايلون والألبسة البالية وأثاث المنازل، والمازوت (الديزل) المستخر من البلاستيك.

 

الوسوم

عبد الله همام

مراسل صحفي في ريف دمشق، مقيم في الغوطة الشرقية، عمل ناشطاً إعلامياً في مدينة دوما، وعمل في منظمة فكرة للتصميم والإنتاج الإعلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق