تقارير

موجة غلاء تجتاح الغوطة الشرقية وإقبال على الشراء وسط تخوّف من “الحصار”

تأثرت الغوطة الشرقية بشكل مباشر من التصعيد العسكري للنظام السوري على أحياء دمشقية، والتي تعدّ أحد المنافذ لدخول المواد الأساسية، بعد منتصف شباط/ فبراير الجاري، ما أوجد إقبالاً على شراء المواد الغذائية وتخزينها، وارتفاعاً في أسعارها.

تعرضت أحياء القابون وبرزة وتشرين الدمشقية لقصف من النظام السوري،  كان أشدها في 18 شباط/فبراير الجاري، حيث قتل 17 مدنياً، بينهم عنصر للدفاع المدني.

قفز سعر جرة الغاز في الغوطة الشرقية من 14 ألف ليرة سورية (28 دولار أمريكي) إلى 25 ألف ليرة سورية (50 دولار أمريكي)، وسجّل المازوت (الديزل) ارتفاعاً كبيرا، بلغ سعر اللتر 1600 ليرة سورية (3.2 دولار)، وكان قبل ارتفاع الأسعار  600 ليرة سورية (1.2 دولار)، ووصل سعر لتر البنزين 1000 ليرة سورية (2 دولار) بعد أن كان 475 ليرة سورية ( 1 دولار تقريباً).

ووصل سعر كيلو السكر 650 ليرة سورية (1.3 دولار)، بينما كان قبل موجة غلاء الأسعار 375 ليرة سورية (0.75 دولار)، ووصل سعر كيلو الأرز 700 ليرة سورية (1.4 دولار) بعد أن كان 500 ليرة سورية (1 دولار).

تضاعف أسعار المواد الأساسية في الغوطة الشرقية دفع بالناس إلى تخزين المواد، ولكن تخزينها ليس حلاً لأكثر من 600 ألف مدني يعيشون في الغوطة الشرقية، وما يتم تخزينه اليوم، لا بد أن ينفد إذا فُرض الحصار على الغوطة الشرقية.

خالد، شاب من مدينة دوما، دفع به شبح الحصار الذي شهدته الغوطة الشرقية، وكان في أوجه عام 2014، إلى بذل ماله لشراء المواد الأساسية، فشراء المواد بسعر مرتفع أقل ضرراً من شرائها بأضعاف مضاعفة إذا استمرت الأسعار في الارتفاع.

يقول خالد لـ”الصوت السوري” “الوضع مضطرب ولست مضطراً لأجرب حظي، فالشراء الآن بسعر مرتفع أفضل من الشراء بأضعاف مضاعفة”.

أحمد عمر، 25 عاماً، متزوج حديثاً، عندما أشيع خبر ارتفاع الأسعار سارع مع اثنين من أصدقائه إلى السوق لشراء بعض المواد الغذائية لتخزينها خشية الحصار.

يقول عمر لـ”الصوت السوري” “دفعنا 220 ألف ليرة سورية (ما يعادل 450 دولار أمريكي) نحن الثلاثة في محل واحد، فصورة الحصار الماضي لا تزال في أذهاننا”.

بينما كان رأي “أبو محمود” مغايراً، إذ أنه يعتقد أن عزوف الناس عن الشراء سوى ما هو ضروري يمنع من ازدياد الأسعار، وقال لـ”الصوت السوري” “قررت عدم شراء إلا ما هو ضروري، وبقدر حاجتي، فكل شيء نرخصه بالترك”.

ويعتقد أبو محمود أن التاجر له قدرة محددة على تخزين مواده واحتكارها، وإذا قوبل ارتفاع الأسعار بالعزوف عن الشراء، فإنها حتماً ستنخفض.

وفي ظل اضطراب الأسعار في الغوطة أخذت الدوائر الرسمية “التابعة للمعارضة” تزيد من فعالياتها لضبط الأسعار، والحد من الاحتكار، فمكتب الرقابة والتموين التابع لمديرية المنطقة، يعمل منذ بداية الحصار على ضبط الأسعار ومنع الاستغلال والغش بكافة أنواعه ومراقبة جودة المواد ومنع الاحتكار إن وجد.

وفي حديث خاص لـ”الصوت السوري” مع “أبو البراء” عضو مكتب الرقابة والتموين، قال “كثفنا من طلعاتنا الدورية، ونسعى إلى ضبط السوق عن طريق تقنين البيع،، وطلبنا من الباعة اعتماد فواتير الشراء من التاجر في البيع منعاً لاضطراب الأسعار والتسعير العشوائي والكيفي”.

وأضاف أبو البراء “حذرنا الباعة منن بيع كميات كبيرة لشخص واحد حتى تبقى المواد متنوعة منتشرة في السوق وبمتناول الجميع”، مشيراً إلى أنهم يمنعون بيع الأشخاص الذين يستخدمهم التجار لإفراغ السوق من المواد الغذائية ثم احتكارها ورفع أسعارها.

واستدعى مكتب الرقابة والتموين تجار المحروقات، وتم استجوابهم عن مخزونهم، ولمن تم بيعه، وأحضروا المشترين وطالبوهم بالبيع بالأسعار الطبيعية مع إضافة نسبة ربح معقولة، كل ذلك سعياً للتخفيف من الطلب وزيادة العرض في السوق وتنظيمه.

ونوّه أبو البراء إلى أن مكتب الرقابة والتموين يفرض غرامات مالية على المخالفين، والمخالفة تتناسب مع حجمها.

بعيداً عن تدهور الوضع الأمني في أحياء القابون وتشرين وبرزة وانعكاسها على الغوطة الشرقية، وقدرة النظام على فرض الحصار، يتصدر التجار قائمة “الاتهام” برفع الأسعار، وفرض حصار على المدنيين قبل أوانه، مستغلين قراءة الأوضاع الاقتصادية للمنطقة، ومتلاعبين بكميات المواد وأسعارها.

أبو محمود، تاجر غذائيات في أسواق مدينة دوما، شرح في حديثه لـ”الصوت السوري” دور التجار في عملية رفع الأسعار والتلاعب بالأسواق، قال أبو محمود “تنتشر شائعات بارتفاع الأسعار، وعلى الفور يستغل التجار هذه الشائعات وترفع بأسعار المواد الموجودة عندها، رغم أن أولئك التجار لم يلمسوا ارتفاعاً فعلياً لها”.

وأضاف أبو محمود “يذهب بعض التجار إلى احتكار بعض المواد الغذائية الضرورية كمادة السكر، ويدّعون أنها مفقودة، وبعض المحلات أغلقت تحسباً لفقدان المواد من السوق” ونوّه أن بعض التجار استمر في البيع بغض النظر عن الاضطراب الحاصل في السوق”.

وتحاول المنظمات الإغاثية في الغوطة الشرقية أن تكون عوناً للمدنيين لا التجار، فبحسب إدارة تنسيق العمل الإغاثي لـ”الصوت السوري” “حاجة المدنيين للمواد الغذائية كبيرة، ولكننا نواجه مشكلة في عدم وجود مخزون كاف، وما يأتينا ضمن إطار المشاريع لا يمكن التعويل عليه بالادخار”.

وتسعى إدارة تنسيق العمل الإغاثي أن تؤثر إيجابياً على السوق، حسب وصفها، وذلك بالتوقف عن الشراء عند قلة توفر المواد واضطراب أسعارها حتى لا تساهم في رفع الأسعار.

وفي خطوة تنظيمية، عملت المنظمات الإغاثية على تنسيق توزيع المساعدات على مناطق الغوطة الشرقية، حتى لا يختلط التوزيع، فتحصل مناطق على مساعدات مضاعفة، وتُحرم مناطق أخرى منه.

حوصرت الغوطة الشرقية في أيلول/سبتمبر 2012، عقب سيطرة فصائل المعارضة عليها، وبلغ الحصار ذروته عام 2014، ما دفع الناس إلى استخدام “العلف” في صناعة الخبز، ووسائل تحلية غير السكر الذي فقد تماماً آنذاك.

ولعلّ مخاوف الحصار القادم ما كانت لتنتشر بين الناس وتحدث حالة من التخوف والترقب، لولا أن شبح الحصار وآثاره لا يزال في مخيلة المدنيين، فضلاً عن خسارة الغوطة الشرقية لسلتها الغذائية، المتمثلة بـ”القطاع الجنوبي”.

وكانت الغوطة الشرقية قد خسرت مناطق تمثل “الأمن الغذائي” لها بعد اقتتال فصائلها العسكرية أواخر نيسان/ أبريل 2016، واستمرار عمليات قضم الأراضي من قبل النظام.

يذكر أن التصعيد العسكري للنظام على أحياء القابون وتشرين وبرزة جاء في وقت سريان “وقف إطلاق النار” المتفق عليه بين المعارضة وروسيا بضمانة تركية، أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2016.

صورة لأسواق مدينة دوما
صورة لأحد شوارع مدينة دوما
الوسوم

عبد الله همام

مراسل صحفي في ريف دمشق، مقيم في الغوطة الشرقية، عمل ناشطاً إعلامياً في مدينة دوما، وعمل في منظمة فكرة للتصميم والإنتاج الإعلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق