تقارير

أصحاب الشهادات العلمية ضحايا حرب وفساد إداري

طارق الحسن، شاب ثلاثيني، يعمل في صيدلية صغيرة – أشبه بدكّان صغيرة – في ريف إدلب، وبالكاد يؤمن مصروفه اليومي له ولعائلته المكونة من ثلاثة أشخاص، نظراً للهوّة بين دخله المالي، ومصاريف الحياة المرتفعة.

طارق محظوظٌ بعمله في تخصصه رغم ضعف العائد المادي، إذا ما قورن بمئات الشباب من حملة الشهادات الجامعية، العاطلين عن العمل لعدم توفر فرص عمل لهم، أو العاملين في مهن “دنيا” ما كانوا ليعملوا بها لولا تدهور قطاع العمل في الشمال السوري الخارج عن سيطرة نظام الأسد.

عاد طارق بذاكرته عشر سنوات إلى الوراء، حيث تخرّج من كلية الصيدلية في جامعة دمشق عام 2006، وبعد تخرّجه عمل مسؤول تسويق في إحدى الشركات الدوائية بريف دمشق، براتب 50 ألف ليرة سورية شهرياً، أي ما يعادل في ذلك الوقت 1000 دولار أمريكي، فضلاً عن تأسيس صيدلية صغيرة في منطقة السيدة زينب بريف دمشق، وكان يحقق أرباحاً شهرية لا تقل عن 35 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 700 دولار أمريكي، وفق ما ذكر لمراسل “الصوت السوري”.

يقول طارق لـ”الصوت السوري” “تقدمت إلى عدد من الوظائف الشاغرة في إدلب وتركيا، بعد أن خسرت وظيفتي السابقة ومعظم ما جنيته من مال قبل أحداث الثورة السورية، ولكني لم أوفق بأي مقابلة عمل وفشلت في إيجاد عمل يناسب شهادتي الجامعية في المؤسسات المحلية والدولية العاملة في إدلب وريفها”.

يعود فشله في إيجاد فرصة عمل – حسب قوله – إلى “عدم تزكيته من قبل أشخاص لهم قبول داخل المنظمة، ورغبة المنظمات بتشغيل الفنيين على الجامعيين كون رواتبهم أقل، فالمنظمة توظف اثنين من الفنيين بدوام كامل براتب صيدلاني جامعي”.

ولم يُبرّئ طارق في حديثه لـ”الصوت السوري” مسؤولي الموارد البشرية في المنظمات، فهو يعتقد أن هناك “تفاهمات بين المتقدم للوظيفة ومسؤول الموارد البشرية قد تصل في بعض الأحيان إلى دفع رشوة تدفع سلفاً مقابل الحصول على الوظيفة!!.

وذهب المهندس المعماري أبو إبراهيم، إلى ما ذهب إليه طارق، معتبراً عدم قدرته على إيجاد عمل يناسب تخصصه سببه “انتشار ظاهرة المحسوبيات والفساد الإداري” مضيفاً سبباً آخر وهو “ظاهرة تزوير الشهادات العملية ومنافستهم لأصحاب الشهادات في سوق العمل”.

والمهندس أبو إبراهيم ، 50 عاماً، من الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم دون عمل، بعد أن توقف مكتبه الهندسي عقب اندلاع الثورة السورية، لتراجع سوق البناء وتوقف إصدار تراخيصها، فضلاً عن توقف عمله في نقابة المهندسين بعد إفلاس خزينتها، وفق ما ذكر لـ”الصوت السوري”.

أما محمد الغريبي، محامي، كان موظفاً سابقاً في إحدى مؤسسات الدولة، توقف عمله بعد توقف عمل المؤسسة في إدلب، وحاله كغيره من أصحاب الشهادات، من موظف له مكانته في المجتمع إلى باحث عن أي فرصة عمل تؤمن له قوت يومه.

ولعلّ معاناة محمد مُركّبة، فبحسب قوله لـ”الصوت السوري” “مهنة المحاماة من المهن المعرضة للاندثار – نوعاً ما –  في إدلب وريفها لانتشار المحاكم الشرعية، والتي لا تقبل الدعاوى الموكلة بمحامين”.

كما أنه فشل في إيجاد وظيفة أخرى في المؤسسات القضائية المنتشرة في مناطق المعارضة بإدلب وريفها لاعتماد المحاكم على الشرعيين، لا على القانونيين.

أبو يامن، يحمل شهادة معهد فني، وموظف سابق في مؤسسة الإسمنت في حماة، نزح إلى ريف إدلب، وبعد بحث مطول عن وظيفة، وجد نفسه مضطراً للعمل كـ “صانع” تحت أيدي أصحاب المهن كالحدادين والنجارين بأجور قليلة، وفق ما ذكر لـ”الصوت السوري”.

أمثلة كثيرة رصدها مراسل “الصوت السوري” في ريف إدلب، لا يتسع التقرير لذكرها كاملة، اضطر أصحابها – وجميعهم من حملة الشهادات الجامعية أو المتوسطة – إلى البحث عن أعمال لا تتناسب مع شهاداتهم، أو تحولوا إلى عاطلين عن العمل!.

من جانب آخر، قال مدير الموارد البشرية في مديرة صحة حماة “الحرة”، المهندس محمد الرحال، لـ”الصوت السوري” أن “مديرية الصحة تعتمد على أصحاب الشهادات الجامعية الأعلى فالأدنى،، وتجري فحوصات مقابلة للمتقدمين بشكل مهني وعلمي عبر لجنة فاحصة لاختيار المناسبين للشواغر الوظيفية المطلوبة”.

ونوّه المهندس الرحال إلى أنهم كانوا “يعتمدون على أصحاب الخبرات قبل سنوات على حساب حملة الشهادات العلمية لندرتهم، ولكن حالياً تقلص الاعتماد على أصحاب الخبرات مع ازدياد أعداد المتقدمين من أصحاب الشهادات العلمية”.

وفيما يُعرف بـ “التزكية”  قال المهندس الرحال “نأخذ التزكية بعين الاعتبار بعد إجراء المقابلة لاعتبارات أخلاقية وأدبية وليس على حساب الجانب المهني”، منوهاً أن أي وظيفة تطرها صحة حماة يقتم عليها أكثر من 200 متقدم من أصحاب الشهادات للوظيفة الشاغرة”.

أسامة أدريس، المدير الإداري لإقليم الشمال في منظمة (UOSSM)، أحد أكبر المنظمات الطبية العاملة في سوريا، قال للصوت السوري “انتقاء الكوادر يتم عن طريق الإعلان عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليتم إجراء مسابقات للمتقدمين، والتي تحقق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، ونأخذ بعين الاعتبار الشهادة العلمية مع خبرة المتقدم للعمل”.

وتابع إدريس حديثة “يتقدم للوظيفة الواحدة أعداد هائلة من المتقدمين من أصحاب الشهادات والخبرات ، فمثلاً عندما نطلب شاغراً لوظيفة مدخل بيانات يتقدم أكثر من 300 شخص لإجراء المسابقات، ومما لا شك فيه فإن منظمتنا لا تستقبل أصحاب الشهادات الأدبية كالتاريخ والجغرافية والشريعة كوننا منظمة طبية “.

“مهنية” المنظمات الطبية في التوظيف لا يمكن تعميمها على القطاعات الأخرى، لما للقطاع الطبي من خصوصية عالية في اختيار كوادره، ولكن هذا لا يعني عدم وقوع “ظلم” على أصحاب الشهادات العلمية في القطاعات الأخرى التي لا يبدو “الفساد الإداري” فيها ظاهراً على الملأ، وفق ما ذكر أحد المصادر لـ”الصوت السوري”

يذكر أن معدلات الفقر في سوريا ارتفعت بشكل كبير في سوريا، وبحسب تقرير أعدته الأمم المتحدة في منتصف عام 2016 فإن نحو 83.4 % من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مقارنة بـ 28% في عام 2010، وأن حوالي 13.5 مليون نسمة من سكان سوريا بحاجة إلى معونات إنسانية نهاية عام 2015، أكثر من 4 ملايين منهم في محافظتي دمشق وحلب.

للإطلاع على تقرير أعده الصوت السوري بعنوان:  فقراء بعد غنى: من آثار الحرب في سوريا: اضغط عنا

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق