تقارير

الغوطة الشرقية: أطباء ومتطوعون يتحملون أعباء العمل الطبي رغم سلسلة من التحديات

“إذا وقعت في حفرة وتقدم أحدهم ليمد لي يد العون، لن أسأله عن شهادته،المهم أن أخرج”، بهذه العبارة وصف “أبو زهير” الرجل الستيني، نقص الكوادر الطبية الحاملة لوثائق التخرج وقبول العلاج على يد متطوعين ليس لهم علاقة بالعمل الطبي قبل الثورة.

عمد النظام منذ اندلاع الثورة السورية إلى ملاحقة الأطباء، وطلبة الطب، والعاملين في المجال الطبي، بالتصفية الجسدية تارة، والاعتقال تارة أخرى، وبعد أن حوصرت الغوطة الشرقية أواخر عام 2012، وقصف النظام السوري لمدن الغوطة وبلداتها مستهدفاً المرافق الصحية والمستشفيات، دفع ببعض من تبقى من كوادر طبية إلى مغادرتها فيما قتل بعضهم.

هجرت غالبية الكفاءات العلمية الغوطة الشرقية، ومن بينهم الأطباء المختصين، بحثاً عن حياة أفضل خارج الحصار الذي فرضه النظام، وبقيت قليلة فضّلت خدمة المدنيين عن الخروج، ما دفع بعض المتطوعين من غير أصحاب الشهادات إلى ملئ الفراغ الحاصل.

الطبيب خليل عبد الله، لم يستطع متابعة سنوات الاختصاص، لأنه فضل الالتحاق بالعمل الطبي الميداني، نظراً للحاجة الماسة، وشبه انعدام الأطباء، قال في حديثه لمراسل “الصوت السوري”، في الغوطة الشرقية “الشهادة ضمانة للمستقبل ولا تقدر بثمن، ولكن العمل الميداني رفع من خبرتي الطبية، وتحسن أدائي لا سيما في مجال الجراحة، ويوماً بعد يوم تزداد ثقة الاختصاصيين من الأطباء والمرضى على حدّ سواء بعملنا”.

وأضاف خليل “لو وجد أطباء مختصون لذهب الناس إليهم، وهذا حق للمدنيين، ولكن مع الأسف نحن وحيدون هنا”.

مراسل “الصوت السوري” التقى بالطبيب سيف الدين خبية، عضو المكتب الطبي، والخبير الصحي لدى المجلس المحلي في مدينة دوما، والذي تحدث عن الواقع الطبي للغوطة قبل الثورة وبعدها ، قال خبية لـ “الصوت السوري” “بلغ عدد أطباء مدينة دوما 300 طبيب، عدا عن أطباء المشافي العامة والخاصة، فيما وصل عدد عيادات طب الأسنان 150 عيادة، وهذه الأرقام تستثني باقي مدن وبلدات الغوطة الشرقية، وبعد الثورة “.

وأضاف خبية “في الوقت الراهن تبقى طبيب واحد من كل اختصاص، وبعض الاختصاصات لا يغطيها أي طبيب، وفي بعض الأحيان يغطي الطبيب الواحد عمل عشرة أطباء”.

دوما 3

“تدهور الأوضاع المعيشية في الغوطة الشرقية دفعت بالكثير من الأطباء إلى السفر، لا سيما أن الأطباء كانوا يتحملون أعباء مادية، فوق الأعباء الجسدية، حتى استنفدوا مدخراتهم بعد توقف العائد المادي من عملهم، وتحوّل أعمالهم إلى أعمال تطوعية مجانية”، وفق ما ذكر الطبيب خبية.

دوما، إحدى أكبر مدن الغوطة الشرقية، وتعتبر من المدن الرئيسية في الثورة السورية، لم يبق فيها سوى الاختصاصات التالية “طبيب أطفال، طبيب أخصائي عصبية، طبيبين جراحة، أخصائي أوعية، طبيب عظمية”.

الوقع الطبي في الغوطة دفع بالقائمين عليه، إلى تذليل العقبات، ورفع كفاءة الأطباء، وتدريب كوادر طبية، على أمل حصولهم مستقبلاً على شهادات من جهات مختصة تعترف بهم كأطباء ممارسين للمهنة، كما دفعت الحاجة إلى قيام متطوعين بأعمال طبية لا يحملون شهادات علمية ولكن دفعتهم الحاجة إلى ذلك.

وفق ما ذكر الطبيب خبية لـ “الصوت السوري”بعض الأطباء الذين كانوا يعملون في المشافي ويتدربون على أيدي مختصين، انتقلوا للعمل في المشافي الميدانية، وأصبحوا فيما بعد يعاملون معاملة المختصين، فضلاً أن طلاب الطب الذين تجاوزوا السنوات السريرية ولم يتخرجوا تدربوا لأكثر من سنة ونصف على الإسعاف، ثم تحولوا إلى العمل الميداني”.

وقامت الهيئة السورية المستقلة، والتي تتكون من عدد من الأطباء في الداخل والخارج، بتخريج إحدى الدفعات من هؤلاء الطلبة، وأعطتهم شهادات اختصاص على صعيد المناطق المحررة، بعد اجتيازهم لعدة امتحانات.

القطاع الطبي في الغوطة الشرقية لم يعد حكراً، كما أسلفنا، على الأطباء وطلبة الطب فقط، فدفع النقص الشديد بعض المتطوعين إلى الانخراط بالعمل الطبي.

محمد أبو ياسر، في حديثه لمراسل “الصوت السوري”، قال “بدأ أخي في العمل مسعفاً مع الهلال الأحمر في مدينة دوما، ولكن كثرة القصف وما تخلفه من عشرات الإصابات، دفعه للعمل في المهام التمريضية، وتطور به الحال، حتى أصبح حسب اعتقادي طبيباً بلا شهادة، فيصف الأدوية للمرضى، ويشخص بعض الحالات المرضية، هو لا يحمل شهادة الثانوية العامة”.

أم سليمان، إحدى نساء مدينة دوما، قالت لـ “الصوت السوري” “تعمل عدد من النساء في مجال التمريض، فيما تعمل نساء أخرى بالتوليد، ورغم أن التوليد على يد نساء غير طبيبات كان رائجاً قبل عقود في دوما، إلا أن السنوات الأخيرة قبل الثورة اندثرت تلك الظاهرة، لتعود في سنوات الحصار على الغوطة، إذ لا بد من تعويض النقص الحاصل”.

“إن العمل الميداني أكسب أطباء الغوطة اليافعين، أو المتطوعين، خبرة كبيرة، فمجزرة واحدة ترتكب على أرض الغوطة تخلف عدداً من الإصابات، يتم إسعاف تلك الإصابات إلى نقطة طبية قد لا يناوب فيها سوى طالب طب واحد، والظروف تدفعه للتعامل مع كل تلك الحالات” وفق ما ذكر الطبيب خبية .

بعد سلسلة من التحديات التي واجهت القطاع الطبي في الغوطة الشرقية، وغيرها من المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، افتتحت جامعة حلب مؤخراً أبوابها أمام طلاب المناطق المحاصرة، وللمرة الأولى على صعيد الجامعات، تقبل الجامعة ضمن برنامج “التعليم المفتوح” طلبة الاختصاصات العلمية كالطب والهندسة ، نظراً لظروف الحرب، وضرورة تعويض الكوادر في شتى المجالات.

ووفق ما ذكر الطبيب سيف الدين خبية، فإن “جامعة حلب بدأت العمل مؤخراً وسمحت لطلاب الطب أن يكملوا دراستهم من حيث توقفوا”.

يذكر أن الغوطة الشرقية حوصرت أواخر عام 2012، ويبلغ عدد سكانها في الوقت الراهن 600 ألف مدني، لم يتبق فيها سوى عشرون طبيباً، ووفق الناشط الحقوقي محمد الثائر فإن “مدينة دوما سجلت اعتقال النظام لخمسة أطباء، فيما قتل أربعة أطباء تم توثيقهم بالاسم، منهم الطبيب عدنان وهبي”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق