أسماء اليوسف، طفلة لا تتجاوز الثامنة من عمرها، بُترت يدها اليسرى نتيجة إصابتها بشظية من برميل متفجر ألقي على منزلها في بلدة الهبيط بريف حماة الجنوبي، 30 نيسان/ أبريل 2014.

تعاني أسماء من حالة اكتئاب شديدة، واضطرابات نفسية وسلوكية، لعدم تقبل إصابتها ومواصلة حياتها (دون يد)، فانعزلت عن الأطفال من حولها، وفق ما ذكرت والدتها لمراسل “الصوت السوري”.

تقول أمّ أسماء “تبدي ابنتي عدم الرغبة في الذهاب للمدرسة، خجلاً من أقرانها الأطفال في المدرسة، وتعاني من خوف شديد عند سماعها أصواتاً مرتفعة، لأنها ترتبط بأصوات الانفجارات، ويُرهبها سماع أخبار القصف”.

تحتاج أسماء لتركيب طرف علوي ذكي، ولكنه لا يتوفر في المناطق “المحررة” في سوريا، فضلاً عن حاجتها لعلاج نفسي، إذ أن أزمتها النفسية ليست أقل إيلاماً من إصابتها الجسدية.

أسماء هي صورة مصغّرة عن آلاف “الصور المؤلمة” لأطفالٍ تعرضت أجسادهم الغضّة لإعاقات دائمة بفعل آلة القتل على مدار سنوات الحرب الستة، ففي ريف حماة “المحرر” تستقبل المستشفيات 120 طفلاً مصاباً دون سن 18 شهرياً، تتفاوت إصابتهم بين خفيفة ومتوسطة وحرجة، وفق إحصائية حصل عليها مراسل “الصوت السوري” صادرة عن مكتب التوثيق والإحصاء في مديرة صحة حماة “المعارضة”.

وبحسب الإحصائية فإن 20 إعاقة شهرياً، هو متوسط أعداد الأطفال الذين يتعرضون لإعاقات دائمة في ريف حماة، تتنوع بين بتر أطراف، شلل، فقدان السمع أو البصر.

انعكست إصابات الأطفال – لا سيما الإعاقات الدائمة – على سلوكهم، وبدا ذلك واضحاً في مزاجهم، إذ طرأ تغير عام على مزاجهم، وشعور بعدم الاستقرار رافقه القلق، والكآبة،  والحزن، والخوف، فضلاً عن ظهور حالات تعاني من عدم المبادرة والتردد لدى الأطفال، وتشتت الذهن، وضعف الذاكرة والتذكر، لا سيما تلك المتعلقة بالدراسة والمدرسة، وفق ما قاله أخصائي في الإرشاد النفسي بمدينة حماة لمراسل “الصوت السوري”.

جلال خطاب، مرشد نفسي في إحدى مدارس ريف حماة، أجرى دراسة تحليلية لنحو 100 طالب في مدرسته، من خلال رسومات كان قد طلبها منهم.

يقول خطاب لمراسل “الصوت السوري” “تبين من خلال تحليلي أن معظم الأطفال يحملون معتقدات ذات قداسة حول الشهداء كرمز، كما أنهم أظهروا ميلاً شديداً نحو التعبير عن العنف والانتقام، وبدا من خلال تحليل رسوماتهم أن هناك تشويهاً في المفاهيم العامة لديهم وخاصة تلك المتعلقة بالسلام والأمان”.

ومما يزيد من إصابة الطفل “النفسية” عدم معرفة الأهالي في التعامل مع الطفل المصاب، فغالبية الأهالي يعاملون أطفالهم المصابين كما يعاملون الأطفال غير المصابين، علماً أن الطفل المصاب يحتاج اهتماماً زائداً عن غيره، إذ أنهم بحاجة للشعور بالأمان والاستقرار في ظل انعدامهما في الوقت الراهن، وفق ما ذكر الأستاذ سمير الشمالي، أخصائي الإرشاد النفسي والاجتماعي في حماة لـ”الصوت السوري”.

ووفقاً للشمالي فإن “الطفل بطبيعته يستمد الشعور بالأمن والأمان ممن هم أكبر منه، وما يحدث للطفل من قلق وخوف ما هو إلا انعكاس خوف وقلق الكبار حوله”.

لذا ينصح الأخصائيون في الإرشاد النفسي والاجتماعي ذوي الأطفال بزيادة الاهتمام والرعاية بأطفالهم في ظل الحروب قدر الإمكان، ومساعدتهم على تخطي أزمة العنف وصدمة الانتهاكات، وإشعارهم بالأمان، وإخفاء مشاعر القلق والخوف، وفق ما ذكر الشمالي، مشيراً أن “هذا لن يحتاج الكثير من ذويهم أو العاملين على صحتهم ورعايتهم وتعليمهم ولكنه سيترك أثراً إيجابياً كبيراً”.

وبحسب الشمالي “أجمع الأخصائيون على أهم ما يجب تقديمه لأطفال الكوارث والأزمات، توعية ذويهم وشرح الطبيعة النفسية للطفل في الأزمة وكيفية التعامل معهم، إضافة إلى بناء برامج دعم نفسي تساعدهم في تخطي إعاقتهم”.

الجهود المبذولة للأطفال المصابين بإعاقات دائمة في ريف حماة لا تتناسب مع حجم المشكلات النفسية لدى الأطفال، ففي ريف حماة يحصل بعض الأطفال على دعم نفسي من مركز واحد يتواجد في ريف إدلب الجنوبي، وتفتقر المدارس التابعة للتربية والتعليم على الأدوات الخاصة بالمعاقين.

أحمد عرعور، مدير التربية والتعليم “الحرة” في حماة، قال لمراسل “الصوت السوري” “تفتقر المديرية للأدوات التعليمية الخاصة بالمعاقين،، وأن الطلاب شأنهم شأن أقرانهم من غير المصابين يستخدمون الوسائل التعليمية المتوفرة”.

وبحسب عرعور “تعمل مديرية التربية على تأسيس دائرة الصحة المدرسية لتأمين الرعاية للأطفال، وخصوصاً لأولئك الذين تعرضوا لإصابة أحدثت إعاقة دائمة لهم”.

يذكر أن تقريراً صادراً عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، شمل الأعوام الثلاثة الأولى من الأحداث في سوريا، يشير إلى أن معدل أعداد الجرحى في محافظة حماة نحو 1500 جريح شهرياً، نسبة الأطفال والنساء تقدر بـ 75% منهم، ونسبة إصابة الأطراف تقدر بـ 60 إلى 70%، فيما تقدر نسبة من يتعرضون للإعاقة الدائمة بين 4 إلى 8%.

15424495_1784400651883140_1099894550_n

thumbnail_20d54200-b8ae-49ee-99e9-196ab67daf85