يشكل الواقع الطبي الهاجس الأكبر لدى أبناء ريف حماة الشمالي، وسط حرب مشتعلة، وقصف مستمر، يُخلّف أعداداً كبيرة من الجرحى في مشهد يومي، ما أدى إلى تدهور القطاع الطبي في مناطق المعارضة بريف حماة، على غرار قطاعات أخرى.

وكان لهجرة الأطباء والفنيين الاختصاصيين دور في مزيد من التدهور للقطاع الطبي، ولا يزال يهدد العمل الطبي في مناطق المعارضة، حيث غادر عدد كبير من الأطباء وأصحاب الكفاءات العلمية، لأسباب عدّة أهمها: سوء الأوضاع الأمنية، والخوف من الموت نتيجة قصف المنشآت الطبية والمستشفيات، فضلاً عن البحث عن مستقبل أفضل.

طبيب واحد فقط في اختصاص الجراحة الوعائية يتواجد ضمن مناطق سيطرة المعارضة بمحافظة حماة وسط سوريا، حيث تعاني مديرية صحة حماة، من نقص ضمن كوادرها الطبية، ويصعب عليها إيجاد طبيب أو ممرض أو فني طبي. بحسب ما قاله صهيب الوحيد، مدير مكتب الاحصاء والتوثيق في مديرية صحة حماه لمراسل “الصوت السوري”.

وأضاف الوحيد”تفتقد مستشفياتنا لأطباء الجراحة العصبية، والجراحة البولية، والفكية، والأذن والحنجرة، وجميعها من أساسيات الطب الجراحي في الحرب، إذ نضطر إلى إرسال العديد من المصابين إلى مستشفيات أخرى بعيدة لتلقي العلاج”.

وبحسب إحصائية لمركز الإحصاء والتوثيق في مديرة صحة حماة “المعارضة”، حصل الصوت السوري على نسخة منها “عدد الأطباء العاملين في مؤسسات المديرية في حماة لا يتجاوز 25 طبيباً، و 295 بين ممرض وفني طبي.

وعزا “الوحيد” سبب افتقار القطاع الطبي في ريف حماة لأطباء وفنيين إلى ازدياد هجرة الأطباء إلى خارج سوريا، أو إلى مناطق تابعة للنظام السوري، وهو ما أدى إلى الحيلولة دون إمكانية افتتاح مستشفيات ومراكز صحية رغم الحاجة إليها.

طبيب أخصائي جراحة عظمية – رفض ذكر اسمه – عمل في مديرية صحة حماة حتى عام 2015، وهاجر بعدها برفقعة عائلته إلى ألمانيا، كما فعل عدد كبير من الأطباء وأصحاب الكفاءات العلمية، حيث لجؤوا إلى دول أوربية هرباً من القصف.

يقول الطبيب في حديثه لـ”الصوت السوري” “غياب مكان آمن لي ولعائلتي، واستهداف المراكز الطبية كان سبباً في عزمي على الرحيل”.

بعد هجرة الأطباء، ومقتل عدد منهم، أصبحت أكثر التخصصات الطبية شيوعاً قبل الثورة، تخصصات نادرة!!.

إذ أن المدنيين في ريف حماة يعانون من صعوبة وصولهم إلى منشآت طبية تحوي تخصصات “نادرة” كالنسائية والأطفال، ويضطرون إلى قطع مسافات كبيرة من أجل الوصول إلى تلك المستشفيات التي تقدم خدمات مجانية.

رضوان الصطيف، نازح في ريف حماة الشمالي، يضطر إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مستشفى النسائية والأطفال الوحيد في المنطقة، ليحصل على علاج مجاني هناك.

يقول رضوان الصطيف لمراسل “الصوت السوري” “صعوبة التنقل واستهداف الطرق التي تهددنا أثناء المسير، ولكن لا يوجد حلول أخرى، فبعض الاختصاصات غير متوفرة في ريف حماة الشمالي، لنتحمل عناء السفر إلى مناطق بعيدة”.

ومن ناحية أخرى تعاني المؤسسات الطبية في مناطق المعارضة بريف حماة الشمالي من انعدام رفد تلك المؤسسات بكوادر جديدة، نتيجة صعوبة التضييق والحواجز، وعدم رغبة الأطباء الاختصاصيين المقيمين ضمن مناطق سيطرة النظام بالتوجه إلى مناطق المعارضة.

ودفع نقص الكوادر الطبية بمعظم الأطباء إلى العمل ضمن منشآت طبية عدة في آن واحد، لتغطية النقص، لا سيما أصحاب الاختصاصات، ما أوقعهم أمام مشقّة وتحديات كبيرة، وفق ما ذكر عدد من الأطباء لـ “الصوت السوري”.

الطبيب عبد القادر، أخصائي أطفال، يعمل في منشأتين طبيتين، فضلاً عن تحمله مسؤولية الإشراف على حملات اللقاح التي تجري في محافظة حماة، ما يسبب له إرهاقاً جسدياً ونفسياً

يقول الطبيب عبد القادر لمراسل “الصوت السوري” “نضطر للعمل على مدار الأسبوع دون توقف وفي أكثر من منشأة طبية بسبب نقص الاختصاصات الطبية، ما يجعلنا أمام مهمة صعبة في تلبية حاجات المرضى المتزايدين، وينعكس ذلك على حياتنا الخاصة، وحياة عائلاتنا، إذا لا فراغ ولا راحة ولا وقت للعائلة”.

هذا الأمر دفع الحكومة السورية المؤقتة (المعارضة)، إلى إنشاء معهد للتمريض سعياً في مواجهة تردي المستوى الصحي، وغياب الكفاءات الطبية، والحاجة للكوادر والخبرات للعمل في المنشآت الطبية ضمن المناطق “المحررة”.

وافتتحت كلية الطب البشري في جامعة حلب “الحرة”، الواقعة في مناطق المعارضة، نهاية العام الماضي، وأخرى في جامعة إدلب بداية العام الجاري، ولكن مناطق المعارضة لم تجني ثمار ذلك من الناحية العملية حتى الآن.

يذكر أن القطاع الطبي في محافظة حماة فقد أكثر من 80 شخص من كوادره الطبية نتيجة استهداف المنشآت الطبية وفرق الإسعاف، على رأسهم الطبيب حسن الأعرج، مدير صحة حماة “المعارضة” السابق، فضلاً عن اعتقال النظام لأكثر من 50 عاملاً من الكوادر الطبية، وتدمير 4 مستشفيات تدميراً كاملاً، بناء على إحصائيات صحة حماة، حصل الصوت السوري على نسخة منها.