تقارير

“فقراء بعد غنى” من آثار الحرب في سوريا

خلف المحمد، رجلٌ ستيني، معيل لأسرة مؤلفة من عشرة أفراد،  من مدينة كفرنبودة بريف حماة الشمالي، يعمل بسيارة صغيرة في بيع المواد الغذائية والخضار للمدنيين في قرى وبلدات ريف إدلب، بعد أن كان تاجراً ثريّاً.

فالحرب في سوريا قلبت موازين كل شيء، وأفرزت اختلافاً طبقياً في المجتمع السوري، نتيجة انعكاس الأوضاع العسكرية والاقتصادية على المدنيين، فأوجدت فقراء بعد غنى، حيث خسر الناس ثرواتهم ودُمرت بيوتهم ومؤسساتهم التجارية، فتحول بعضهم إلى “بائعين متجولين” في ريفي إدلب وحماة ، بعد أن كانوا تجاراً أو موظفين في دوائر الدولة وغيرها منالمؤسسات، وفق ما ذكر المحمد.

“المحمد” كان يملك متجراً لبيع الجملة في مدينة “كفرنبودة” بريف حماة الشمالي، وكان المتجر مصدر رزقه الوحيد، ولكنه تعرض للحرق والسرقة، بعد مداهمة النظام السوري للمدينة مطلع عام 2013، وخسر على إثرها أكثر من 10 مليون ليرة سورية، وكان يعادل وقتها 100 ألف دولار أمريكي، وفق ما أفاد في حديثه لـ”الصوت السوري”.

ترك المحمد مدينته نازحاً بين عدد من قرى وبلدات ريفي إدلب وحماة، أثقلته أعباء النزوح، وارتفاع المصاريف، وسط غياب وجود دخل مادي، وفقدان رأس المال، وهو ما دفعه إلى البحث عن مصدر رزق آخر بأقل تكلفة مادية ممكنة، ووصل به المطاف إلى شراء سيارة صغيرة ويعمل بائعاً متجولاً.

الطبيب أبو حسن، نموذج آخر لضحايا الحرب “اقتصادياً”، إذ أنه تحول من مالك لمستودع أدوية في مدينة حلفايا بريف حماة الشمالي، إلى العمل في إحدى المنظمات الطبية براتب شهري “متواضع” يعينه على توفير احتياجات عائلته.

كان مستودع الأدوية يدرّ على الطبيب أبو حسن دخلاً شهرياً يزيد عن أربعة آلاف دولار أمريكي، فضلاً عن صيدليته التي تدرّ مدخولاً إضافياً يقدر بألفي دولار أمريكي، وفق ما ذكر لـ”الصوت السوري”.

يقول الطبيب لمراسل “الصوت السوري” “تدهور عملي نتيجة سوء الأوضاع الأمنية في مدينتي، بعد أن كان يؤمن لي دخلاً كبيراً مقارنة بباقي الأشخاص من موظفين وعمال، وكنت أعيش رفاهية كاملة، من سياحة إلى بدان عربية وأجنبية، والشعور بالراحة المادية، والمكانة الاجتماعية”.

ويضيف “بعد اندلاع الثورة السورية واقتحام قوات الأمن لمدينة حلفايا اضطرت للانتقال إلى مناطق آمنة في ريف إدلب الجنوبي، فتوقف عملي لفترة من الزمن، ومن ثم تقلص، حتى نفدت مدخراتي من المال”.

ووصل الأمر بالطبيب إلى إغلاق مستودعه الطبي، والبحث عن عمل في إحدى المستشفيات الميدانية ، يعينه على الاستمرار في الحياة، وحصل على فرصة عمل في إحدى المنظمات براتب شهري متواضع، يرسل جزء منه لعائلته التي تعيش في تركيا، ويسد احتياجاته فيما يتبقى من مال.

ألقت “الحرب” بظلالها على الموظفين الحكوميين، والإداريين في منظمات حكومية وخاصة، والمتطوعين في صفوف الجيش السوري، فسببت الحرب لهم عجزاً في تأمين احتياجاتهم، بعد خروج دوائر الدولة عن العمل، أو انشقاق العسكريين عن النظام، ما دفعهم إلى الالتحاق بطابور الباحثين عن عمل مغاير لما كانوا عليه قبل الثورة السورية.

إبراهيم النويران، من أهالي بلدة التريمسة بريف حماة الغربي، ومن أوائل المنشقين عن صفوف النظام بعد اندلاع الثورة السورية، نزح مع عائلته إلى مخيمات ريف إدلب الجنوبي مع عائلته التي تتجاوز 8 أشخاص.

يقول النويران “أمتلك سيارة (بيك آب) صغيرة، وبعد نزوحنا حوّلت سيارتي إلى متجر متجول لبيع الأدوات المنزلية في المخيمات والقرى النائية”.

ويضيف النويران “جاءت الفكرة بعد زيارتي لأقاربي في المخيمات المنتشرة في مناطق ريف إدلب الجنوبي، حيث وجدت أن تلك المخيمات بحاجة لمواد استهلاكية نتيجة انعدام المحلات التجارية القريبة، مما يضطر المقيم في المخيمات إلى السير عشرات الكيلومترات لشراء احتياجاتهم.”.

وفر متجر إبراهيم “المتجول” له دخلاً يلبي احتياجاته مع عائلته، ويوفر على أبناء المخيمات الوقت والمال في الحصول على احتياجاتهم اليومية.

من جهته قال أبو راتب، عضو إحدى المنظمات الإغاثية في الشمال السوري لـ”الصوت السوري” “لم يعد مستغرباً أن تجد أثرياء في الشمال السوري حولتهم الحرب إلى فقراء، لا سيما حملة الشهادات العلمية”.

وأشار أبو راتب أن “عدداً من التخصصات العلمية كالمحاماة وبعض تخصصات الهندسة كسدت نتيجة الأوضاع الراهنة ما حوّل أصحابها إلى عاطلين على عمل، أو عاملين في مهن دنيا لا تلبي سوى أبسط مقومات الحياة”.

رغم تحمل مناطق المعارضة العبء الأكبر من الأزمة الاقتصادية التي تعصف بسوريا منذ اندلاع الثورة السورية، إلا أن مناطق النظام لم تكن بمنأى عنها، فامتدّت إلى الطبقات الوسطى والفقيرة في المناطق التي يطلق عليها النظام “مناطق آمنة” تقع تحت سيطرته.

ونقل موقع “العربي الجديد” عن رئيس مجموعة عمل اقتصاد سورية، أسامة القاضي، في تقرير نشر في تشرين الأول/ أكتوبر 2015 أن نسبة الفقر تزيد في سوريا عن 60% كحدّ أدنى، بعد تهديم البنى التحتية للاقتصاد الزراعي، وخروج 80% من المنشآت الصناعية عن العمل.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق