تقارير

عمالة الأطفال واقع فرضته الحرب والنازحون الأكثر انخراطاً في سوق العمل

أطفال سوريا الخاسر الأكبر جراء الحرب الدائرة وما يترتب عليها من آثار، فحرمتهم الحرب من أبسط حقوقهم في التعليم واللعب والعيش بسلام، كما ارتكبت الأطراف المتنازعة بحقهم انتهاكات عدّة، كالقتل، التعذيب، والتجنيد، وأجبرتهم ظروف الحياة على العمل.

النظام السوري على قائمة المتهمين في ارتكاب انتهاكات بحق الأطفال، إذ أنه المسؤول عن قتل آلاف الأطفال، وتشريد مئات الآلاف منهم إلى المخيمات، وقتل آلاف الآباء، مما أوجد أكثر من 400 ألف يتيم، فضلاً عن تدمير 4500 مدرسة، لينعكس ذلك على الحالة التربوية والنفسية والصحية لملايين الأطفال السوريين.

ظروف الحرب القاسية جعلت أكثر من %80 من السوريين في الداخل السوري يعيشون تحت خط الفقر، ما أجبرهم على الاعتماد بشكل أساسي على المساعدات الإنسانية التي لا تكفي بشكل دائم، ما دفعهم إلى زجّ أبنائهم بسوق العمل، وتزداد ظاهرة عمالة الأطفال بين النازحين عن غيرهم في المناطق “المحررة”.

الأطفال النازحون من أكثر الفئات السكانية عمالة

أسباب كثيرة جعلت النازحين وغير المستقرين، أكثر الفئات السكانية تصدراً في أعداد الأطفال العاملين، فحالـة عـدم الاسـتقرار، والتنقـل المستمر أدت إلى عجز الأطفال عن الالتحاق بالمدارس ومتابعة تعليمهم، إضافة لرغبة أرباب العمل لتشغيل الأطفال النازحين، بدلاً من البالغين، لأنهم يقبلون بأجرٍ أقل نظراً لحاجتهم الماسة، ويعملون لساعات أطول.

 أبو سلمو، صاحب أحد الورش الميكانيكية لتصليح السيارات في ريف حماة، قال لمراسل “الصوت السوري” “معظم الأطفال الذين يطلبون العمل هم من النازحين، ويعمل لدي ثلاثة أطفال منهم، وحقيقة الأمر أن الثلاثة يتقاضون نصف أجرة شخص بالغ واحد، وهذا ما يفسر قبول أصحاب المهن بهذه الفئة من الأطفال”.

حسين الخطيب، نجار، قال في حديثه لمراسل “الصوت السوري” “يعمل لدي 4 أطفال تحت سن البلوغ، ثلاثة منهم أيتام قتل آباؤهم في الحرب، ما جعلهم أمام مسؤوليات كبيرة لإعالة عائلاتهم وتأمين حاجياتهم اليومية، ومعظم من يأتي للبحث عن عمل من هذه الفئات المتضررة من الحرب”.

ظروف المعيشة الصعبة وغلاء التكاليف

الظروف المعيشية الصعبة التي ولدتها الحرب في سوريا على مدار أكثر من 5 سنوات، من أهم الأسباب التي دفعت الأهل لإرسال أبنائهم للعمل في سن مبكرة عند أصحاب المهن المختلفة كبائعين في محلات المحروقات، وورش التصليح، والحدادة، والنجارة، أو بسطات خفيفة، أو بيع السجائر، أو عامل أجرة.

الطفل محمد الحسين، أحد النازحين من ريف حماة الشمالي، إلى ريف إدلب الجنوبي، يعمل صانعاً في ورشة لتصليح السيارات، قال لمراسل “الصوت السوري” “أرسلني أبي قبل عام، إلى ورشات تصليح السيارات، وكان عمري تسع سنوات، لأتعلم المهنة وأساعده في تأمين مصروف المنزل، أعمل يومياً لأكثر من 9ساعات متواصلة دون راحة، وأتقاضى أسبوعياً ألف ليرة سورية (أي ما يعادل 2 دولار أمريكي)”.

يضيف محمد “قسوة صاحب الورشة جعلني أكره العمل، ولكنني ظروف حياتنا تجبرني على الاستمرار، فضلاً أنني انقطعت عن مدرستي ولم أكمل الصف الثالث الابتدائي”، ومن خلال حديث مراسل ” الصوت السوري” مع الطفل محمد أخبره أنه لا يتقن القراءة والكتابة!!.

الآثار النفسية والجسدية التي تسببها عمالة الأطفال

غالبية أصحاب المهن الميكانيكية وأصحاب الورشات يتعاملون مع الأطفال بعنف جسدي، وألفاظ نابية، تسبب للأطفال عقداً نفسية تؤثر سلباً على حياتهم المستقبلية، وبيئة عمل الأطفال تجعلهم عرضة للأمراض والإصابات، كحوداث السير، أو الإصابات الجسدية أثناء تعاملهم مع الآلات الحادة والخطيرة، وقد تتسبب للطفل لبتر بالأطراف أو جروح خطيرة، أو إصابة الجهاز التنفسي لمن يعمل في المحروقات أو الأعمال التي تستخدم مواد كيماوية.

السيد سمير الشمالي، أخصائي الإرشاد النفسي، قال لمراسل “الصوت السوري” عن الآثار التي تخلفها عمالة الأطفال على صحتهم النفسية “الحرب الطويلة كانت كفيلة في إنشاء جيل من الأطفال منهك نفسياً بسبب القصف المتسمر واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، وازداد الأمر سوءاً مع انتشار ظاهرة عمالة الأطفال، حيث يفقد الطفل روح “الطفولة” من حياته، فضلاً عن حرمان حقّ التعليم واللعب.

وأضاف الشمالي “التعنيف الذي يتعرض له الطفل من صاحب العمل تجعله يشعر بالخوف، وعدم الأمان، وعدم الثقة بالنفس، وهي آثار تضاف إلى آثار الحرب والقصف والدمار”.

وعن الحلول المقترحة لتجنب وقوع الأطفال في حالات نفسية خطيرة، قال الشمالي “للأطفال قدرة ومرونة على الرجوع إلى الحياة الطبيعية من جديد، بمجرد توفير البيئة الصحيحة والحماية الكافية لهم، وبإمكانهم النجاح والتعافي من البدايات الصعبة”.

ووفق الشمالي “التعليم أفضل وسيلة لبناء شخصية الطفل من جديد، والأمر يتطلب توفير المدارس لهم، ومراكز حماية، والقيام بأنشطة ترفيهية، وجلسات إرشاد نفسي تؤهلهم للنهوض من جديد”.

ووفق تقرير أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في حزيران/يوليو الماضي، فإن ما لا يقل عن 19773 طفل، قتلوا سوريا منذ اندلاع الثورة السورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق