تقارير

دور المحاكم الشرعية في الشمال السوري وسط غياب القضاء الموحد

المؤسسة القضائية من أهم المؤسسات التي تحفظ الأمن في ظل الفوضى وعدم الاستقرار، استبدلت المؤسسة في مناطق سيطرة المعارضة بالمحاكم الشرعية، ولكن صلاحيات رجل القانون فيها كان محدوداً مما أثر سلباً على سير العمل القضائي، بغضّ النظر عن القانون المعمول به سواء كان وضعياً أو شرعياً.

يلجأ المدنيون في المناطق “المحررة” إلى المحاكم الشرعية لفضّ نزاعاتهم، وغالبا ما يكون القاضي فيها شرعيٌ يتبع للفصيل التي تتبع له المحكمة، ويغيب الجهاز القضائي الموحد رغم محاولات عديدة لإيجاده وتوحيد المحاكم الشرعية الحالية.

في ظلّ الفراغ القانوني الذي تعيشه المعارضة، بقيت القضايا العالقة بين المتخاصمين، التي لم تفصل بها محاكم النظام السوري، متروكة ولم يتم البتّ بها.

المحاكم في ريف حماه ودورها في معالجة قضايا المدنيين

يقول الشيخ ناصر صطيف، رئيس محكمة الهيئة الإسلامية في أحد مناطق ريف حماه الشمالي لمراسل “الصوت السوري” “أصل القضاء هو نصرة المظلوم ورفع الظلم وإعادة الحقوق لأصحابها،  لذا نقوم بعدة أعمال مهمة كالفصل في الأراضي والعقارات والديون القديمة والشركات، وما يترتب عليها من خلافات، وتصديق صكوك الزواج والعقود وإصدار بيانات عائلية وغيرها من الأمور الإدارية”.

ويضيف الشيخ: “بالنسبة لأنواع الدعاوى التي ننظر بها، فهي الأحوال الشخصية وتحقيق وصلحية، بعد عرضها على النيابة ورئاسة المحكمة، وتُحول لأحد المكاتب ليتم النظر بها من قبل شخصين، أحدهما قانوني يحمل شهادة حقوق ، وآخر شرعي يحمل شهادة شريعة”.

وأكد صطيف على ضرورة وجود سجون لتوقيف المتهمين، ولكن المناطق المحررة تفتقد لذلك في الوقت الحالي، باستثناء السجون الخاصة بمن يثبت عليهم الجرم فهي موجودة.

وعن شكاوى المدنيين ضد العناصر التابعين للفصائل لدى هذه المحاكم، يقول الشيخ جهاد القسوم، شرعي بمكتب التحقيق في أحد المحاكم بريف حماه، لـ “الصوت السوري” “القضاء يحتاج لقوة عادلة راحمة، ولا يعرف الفصائل لأن الانتماء الفصيلي لن يجعل الحق باطل والباطل حق، وعلى هذا الأساس ننظر بالقضايا التي يرفعها المدنيون ضد أحد العناصر المنتمين لأي فصيل عسكري، وكذلك نصدر أحكام بالتنسيق مع قادة الفصيل كما تم تنفيذ العديد منها في وقت سابق”.

وضرب القسوم مثالاً عن عائلة المرحوم خليل خيرو، حيث حصلوا على حقهم بعد مقتل ابنهم على يد عنصر تابع لأحد الفصائل الكبرى في المنطقة، وكان ذلك بعد تقديم شكواهم إلى المحاكم الشرعية، وأُصدر الحكم بالتنسيق مع الفصيل الذي يتبع له الجاني.

من جهته قال والد خليل  لـ”الصوت السوري” أنه استطاع كسب القضية في زمن الفوضى والتشتت الذي يشهده السلك القضائي في المناطق المحررة، ويقول “بهذا ضمنت حقوق أولاد ابني وزوجته” .

دور رجل القانون في المحاكم الشرعية..

تقلص دور رجل القانون والحقوقي بشكل كبير، وخاصة بعد انتشار فكرة أن الحقوقي يمارس مهنة تعتمد على بعض القوانين المخالفة للشرع الإسلامي، إلا أن مع مرور الزمن أدرك القائمون على العمل القضائي أن وجود رجل القانون أمر ضروري في سير العملية القضائية من ناحية الإجراءات والخطوات اللازمة للتعامل مع القضايا.

وحسب المحامي أبو بديع فإن “أغلب المحاكم الموجودة حالياً تعتمد على قضاة شرعيين ومحامين، حيث يوجد في غرفة المحكمة الواحدة قاضي شرعي ومحامي، يتبادلون الأدوار فيها، وهذا حسّن من الأداء، لا سيما من ناحية الإجراءات، ولكن غالباً ما يكون الشرعي هو القاضي”.

كما أنه يحق للمتخاصمين على اختلاف انتماءاتهم ومواقعهم الاجتماعية توكيل المحامين للدفاع عنهم أمام المحاكم الشرعية، وبهذا تم تفعيل دور المحامين واندماجهم في الجهاز القضائي الشرعي القائم، حسب ما ذكره الشيخ أبو صطيف.

معالجة القضايا العالقة في محاكم النظام..

تخلو المناطق “المحررة” من أي مؤسسات قضائية تابعة للنظام السوري، فلا يوجد أي أحكام قضائية صادرة عن محاكم النظام تطبق داخل هذه الأراضي، ولكن توجد قضايا لا تزال عالقة حتى الوقت الراهن، ولم يفصل بها قضاء النظام بعد، وهي خاصة بالمتخاصمين ضمن المناطق المحررة.

ومع تطور التنسيق بين المحاكم في مناطق المعارضة، والذي كان غائباً في البداية، منع القضاء من النظر في قضية أخذت حكماً في محكمة أخرى، حسب ما ذكر المحامي أبو بديع.

وذكر الشيخ القسوم بأنه “يتم إعادة تدوير القضايا العالقة منذ زمن النظام بالمحاكم الشرعية، فمنها ما يتم نسخه ومتابعة النظر به، ومنها ما يُفتح من جديد ويُعاد نشرها في المحكمة الشرعية لوجود ثغرات قانونية فيها”.

كما أكد أنه لا مانع لدى المحاكم الشرعية من استكمال قضايا عالقة بين المدنيين منذ زمن المحاكم التابعة للنظام، ولكنها لا  تخالف الشريعة الإسلامية ، أما ما يخالفها فلا يمكن الاستمرار فيه مطلقاً.

يضاف إلى التحديات التي تواجه السلك القضائي والمحاكم الشرعية، استهداف النظام السوري للأحياء السكنية والمرافق العامة، ما يشكل خطراً على العاملين في سلك القضاء، والمدنيين المراجعين، والموقوفين، فضلاً عن وقوع أضرار تتمثل في إتلاف الأوراق أو فقدانها.

ففي ريف إدلب الجنوبي استهدفت المحكمة الشرعية في معرة النعمان باريخ 9 يناير 2016، ما أدى إلى سقوط أكثر من 50 قتيل وعشرات الجرحى، جميعهم من الموقوفين وعناصر المحكمة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق