تعود الحياة تدريجياً إلى بلدة مضايا في ريف دمشق، بعد خروجها من “الحصار” باتفاقية المدن الأربعة (كفريا، الفوعة، مضايا، الزبداني)، التي طُبقت منتصف نيسان/ أبريل الماضي بعد اتفاق بين جيش الفتح والمفاوض الإيراني برعاية قطرية.

عاشت مضايا سنتين “عجاف” فأنهك الحصار الذي فرضه النظام السوري عليها مع جارتها الزبداني المدنيين، ووثقت الهيئة الإغاثية الموحدة خلال فترة الحصار وفاة نحو 200 مدني، نتيجة نقص الغذاء والدواء، أو قنصاً، أو بانفجار ألغام أثناء محاولتهم الهروب خارجها.

تشهد بلدة مضايا تحسناً من الناحيتين المعيشية والخدمية، وبدأت أسعار المواد بالانخفاض بعد أن حطمت أرقاماً قياسية خلال فترة الحصار، فيبلغ كيلو السكر 500 ليرة سورية (1 دولار أمريكي) بعد أن تخطى 50 ألف ليرة سورية (100 دولار أمريكي) أيام الحصار، ويبلغ سعر عبوة حليب الأطفال الجاف، وزن 1 كيلو غرام، نحو 3500 ليرة سورية ( 7 دولار أمريكي) بعد أن تخطّى سعرها في ذروة الحصار 100 ألف ليرة سورية (200 دولار أمريكي).

ومن ناحية أخرى، سحبت قوات النظام السوري معظم الحواجز والنقاط العسكرية من محيط البلدة، بعد خروج مقاتلي المعارضة السورية منها – بموجب الاتفاق – وقامت مؤسسات النظام بإعادة تأهيل البنى التحتية من شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء.

وعلى الصعيد العمراني، شهدت البلدة حركة عمرانية كبيرة، ونشوة في سوق الأراضي والعقارات، والذي ساعدت فيه طبيعة المنطقة ومناخها، والأمان الذي تشهده، حيث يصل ثمن دونم الأرض الواحد أكثر من 80 ألف دولار أمريكي، ومتوسط سعر المحل التجاري 60 ألف دولار.

“السياحة” التي غابت في السنوات الست الماضية أخذت تعود تدريجياً، حيث تستقبل مضايا الزوار من المناطق المجاورة، لا سيما من العاصمة دمشق.

ازدحام مروري في بلدة مضايا – صورة حصرية لـ”الصوت السوري”

أبو أحمد 50 عاماً، لم يغادر بلدة مضايا مع الذين خرجوا بموجب الاتفاق، يقول لمراسل “الصوت السوري” “نشعر بحزن على فراق جزء من أهلنا بعد عملية التهجير التي أفرزها الاتفاق، ولكن الواقع يفرض علينا لملة جراحنا، والحياة يجب أن تستمر”.

كان أبو أحمد يعمل تاجراً ولكن مع اندلاع “الثورة السورية” توقف عمله بشكل كامل نتيجة تردي الأوضاع الأمنية، ومن ثم حصار بلدته، وهو الآن يعاود انطلاقته من نقطة الصفر – حسب تعبيره – ويتواصل مع تجار دمشق، الذين كانت تربطه علاقة عمل بهم أملاً في مساعدتهم له بالعودة إلى عمله، وفق ما ذكر لـ”الصوت السوري”.

أما على الصعيد العسكري، تشهد البلدة انتشاراً لعناصر النظام السوري، واللجان الشعبية التابعة له، وغابت عنها عناصر حزب الله، والتي كانت تنتشر على أطراف المدينة في فترة “الحصار”.

إبراهيم خليل، شاب من البلدة، قال لـ”الصوت السوري” “ينتشر النظام السوري ولجانه الشعبية داخل المدينة، وتوجد بعض المضايقات من اللجان الشعبية بحق الأهالي ولكنها بسيطة”.

وأضاف خليل “مصير شباب البلدة إما إلى الخدمة الإلزامية في صفوف جيش النظام أو للسحب الاحتياطي في صفوف الجيش أو اللجان الشعبية”، مشيراً أن رافضي تسوية أوضاعهم والتجنيد في صفوف النظام كلهم خرجوا في شهر نيسان/ أبريل الماضي إلى الشمال السوري.

تحسنت الأوضاع المعيشية والخدمية في مضايا، ولكن وفق ما خطط له “النظام السوري”، الذي لعب بورقة “الحصار” لإخضاع المنطقة تحت سيطرته، بعد أن خرجت في منتصف شهر كانون الثاني/ يناير 2012.

وإلى الضفة الأخرى، في إدلب حيث حلّ نازحو مضايا، التقى مراسل “الصوت السوري” بالشاب محمد فادي القلموني، 26 عاماً، رفض تسوية أوضاعه والبقاء في بلدته، وكان من الدفعة التي خرجت إلى الشمال السوري بموجب الاتفاق، ولكنه اليوم نادمٌ على عدم بقائه!.

يعيش القلموني في إدلب في جو من التوتر نتيجة اقتتال الفصائل فيها، وغلاء الأسعار وسط غياب فرص العمل، والشوق للأهل، كما أن مصير إدلب “المجهول” والحديث عن عمل عسكري قريب فيها يشعره بـ”الخوف”، وكأن هروبه من موت إلى موت، وفق ما ذكر لـ”الصوت السوري”.

يقول القلموني لمراسل “الصوت السوري” “لم أتخيل أن تعود البلدة إلى سابق عهدها… بعد خروجنا بدأت الإصلاحات، وفتح الطرقات، وسحب الحواجز العسكرية”، علماً أن المفاوضين عن البلدة كانوا يحذرونا من أن الأوضاع ستؤول إلى الأسوأ.

 ويترقّب القلموني مبادرة من “لجان المصالحة” أو تدخل الأمم المتحدة في وساطة لعودة “المهجّرين” والنازحين، ليكون من أول العائدين، معتبراً أن “الأرض أفضل من المنفى والثورة حيّة لا تموت”، حسب تعبيره.

ويتداول المهجّرون في الشمال السوري شائعات حول وساطة قد تقوم بها الأمم المتحدة لعودة المهجرين والنازحين إلى أرضهم.

يُذكر أن اتفاق “البلدات الأربع” أُبرم بين النظام السوري، وجيش الفتح “المعارض”، بوساطة قطرية إيرانية، في أواخر آذار الماضي، ونص على أإجلاء أهالي كفريا والفوعة في ريف إدلب إلى مناطق النظام، مقابل مغادرة مقاتلي المعارضة من مضايا والزبداني برفقة من يرغب من المدنيين باتجاه مناطق المعارضة في الشمال السوري، وأن يستعيد النظام اليطرة على البلدتين.

وبلغ عدد سكان مضايا قبل تنفيذ “الاتفاق” نحو 40 ألف مدني، منهم 15 ألف سكانها الأصليين، والباقي نازحين من مناطق مجاورة أغلبهم من مدينة “الزبداني”، ومع تطبيق الاتفاق خرج نحو 3000 مدني وعسكري من البلدة باتجاه الشمال السوري.