لم تعد حملات “إفطار صائم” المخصصة للسوريين في الأردن محصورة بإطار الحاجة للطعام والشراب، وتعدّت الحاجة إليها لإشباع رغباتهم في استرجاع ذكريات “الماضي الجميل” وتعزيز العلاقات الاجتماعية، التي فُقدت – نوعاً ما – في غربتهم.

تواصل منظمات ومؤسسات مجتمع مدني في الأردن إقامة حملات إفطار الصائم بملامح اجتماعية، تتمثل بموائد جماعية، وسهرات رمضانية تحيي جزءاً من تراث السوريين الذي افتقدوه، وتجمعهم مع البلد المضيف في محاولة لتعزيز اندماجهم وتبادل ثقافاتهم.

“لا أذهب للحصول على مساعدة أو وجبة طعام، وإنما لأغيّر جو، وأتذكر أجواء الشام، والجمعات الرمضانية في بيتنا”، هذا ما قالته أمل، لاجئة سورية في الأردن، لمراسلة “الصوت السوري”.

أمل، لاجئة سورية من العاصمة دمشق، وصلت إلى عمّان قبل 4 سنوات مع أطفالها الثلاثة، تحرص على المشاركة في كل حملات الإفطار في منطقتها، وتصطحب أطفالها، لإخراجهم من عزلة اجتماعية يعيشونها طوال العام، لتنكسر هذه العزلة في الشهر الكريم، حسب قولها.

تقول أمل “أكثر ما فقدته في غربتي هو العائلة، واجتماعنا في المناسبات والمواسم، وأكثر ما أخشاه على أولادي أن يفقدوا هذه الأجواء”.

لاحظت أمل تطوراً في طرق تقديم “الأعمال التطوعية” من سنة إلى أخرى، وأنها تراعي التفاصيل الاجتماعية، كتنسيق فقرات من التراث الشعبي كالإنشاد والعراضة الشامية، فضلاً عن تقديم أطباق سورية وأردنية متنوعة، وتنوعاً بالحضور بين الشعبين: الضيف والمُضيف.

ألغت المنظمات والمؤسسات العاملة في “إفطار صائم” الصورة النمطية لهذه الحملات عند بعض السوريين، حيث يعتبرها “اللاجئ السوري” انتقاص من قيمته، وتنزله منزلة دونية.

أحمد الحلبي، لاجئ سوري في الأردن، يقول لمراسلة “الصوت السوري” “كنت أنا وعائلتي نمتنع عن تلبية دعوات الإفطار الجماعية، فلا أحب الظهور في كاميرات التصوير، وأنا أتناول وجبة طعام مقدمة لي كمساعدة، بالإضافة إلى إمكانية وجود أحد أقاربي في المكان مما يسبب إحراجاً لي”.

ولكن الحلبي تطوع في منظمة دولية تُعنى بشؤون اللاجئين السوريين في عمّان، لمدة ستة شهور بما فيه شهر رمضان، وساهم مع زملائه في تنظيم سلسلة من حملات “الإفطار الرمضانية”، ومنذ ذلك الوقت تغيّرت نظرته لها.

وأدرك أن “إفطار صائم” هي أكثر من وجبات طعام، فهي مكان مناسب بعيد عن روتين المنزل اليومي، واجتماع بين الناس على مائدة واحدة، وتعزيز لقيم الحياة الاجتماعية، وفق ما ذكر لـ”الصوت السوري”.

جمعية الشباب للتنمية الذاتية، واحدة من الجمعيات التي تنفذ برامج رمضانية كل عام، وقائمة المدعوين لموائدها عائلات سورية وأردنية تجمعهم ظروف اجتماعية واحدة، وتسعى من خلال موائدها تعزيز مفهوم التعايش المجتمعي والتشاركي.

السيد موسى العموش، رئيس الجمعية، قال لـ”الصوت السوري” أن “سهراتهم الرمضانية مقتطفة من ليالٍ سورية، لتعود بالسوريين إلى الأرض التي ابتعدوا عنها، فضلاً أن تلك الأنشطة تتيح تبادل الثقافات والتعرّف على عادات سورية جديدة في مجتمعنا”.

من جهتها قالت فاطمة الجمل، مديرة جمعية سيدات الهاشمية الخيرية على أن بداية اللجوء السوري إلى الأردن، كان التركيز على تقديم المساعدات الطارئة، والاهتمام بأولويات الحياة أكثر من الجوانب الاجتماعية، ومع مرور الوقت برزت مشاريع الدعم المجتمعي، لكسر الحواجز بين المجتمع المضيف واللاجئين.

وأردفت في حديثها لـ”الصوت السوري” “الاجتماع على مائدة واحدة وتبادل الثقافات، من التنوع في الطعام والحلويات، وصولاً إلى أجواء ما بعد الإفطار من السهرات الرمضانية، كانت وسيلة ناجحة ولمسنا نتائجها على المجتمع المحلي المحيط بنا”.

واستدلّت على نجاح سياسة المنظمات الأخيرة، بانتشار الفرق التطوعية الكبير في شهر رمضان، مؤكدة أن المجتمع الأردني لم يشهد هذا الكم الهائل من الأعمال التطوعية في رمضان مثل السنوات الأخيرة، وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على تقبل المجتمع لها بشكل كبير، وفق قولها لـ”الصوت السوري”.

“الرضا” عن مثل تلك الحملات لا يعني عدم وجود أصوات تطالب بتصحيحها، إذ أن البعض يجد أن توجه أغلب الجهات الداعمة للعمل بآلية الموائد الرمضانية الجماعية يقلل من تعميم الفائدة على الجميع.

أحمد الأشرف، واحد من الأصوات التي تقول “هاك الكثير من العائلات الفقيرة في بيوتها، قد تكون أحوج لوجبات الإفطار، ولكن لا يتم دعوتها إلى مثل هذه الولائم، لعدم إدراج أسمائها في المؤسسات المنظمة، أو لعدم رغبتها في المشاركة بهذه الأنشطة”، مشيراً أن تكاليف الموائد الجماعية، تكفي لتوزيع وجبات لضعفين من المدعوين إليها”.

يذكر أن عدد اللاجئين السوريين في الأردن بلغ نحو 1.4 مليون لاجئ، منهم نحو 655 ألف نسمة مسجلون لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، حمل هؤلاء معهم آثاراً مختلفة للحرب تتمثل في “العزلة الاجتماعي” وما يترتب عليها من تأثير على “النسيج السوري في الخارج”.

اقرأ: عزلة اجتماعية يعيشها اللاجئ السوري بعد أن كان نموذجاً للتواصل والترابط الاجتماعي