نشطت “مكاتب تحويل أموال محلية” غير رسمية في مناطق سيطرة المعارضة، لتكون بديلاً عن شركات الحوالة الرسمية التي توقفت مع خروج تلك المناطق عن سيطرة النظام السوري، والتي ترك غيابها فجوة في مناطق المعارضة، لا سيما أن معظم المدنيين فيها يعتمدون على “أموال خارجية” كمساعدات من جمعيات إغاثية، أو من أقارب لهم في الخارج.

مكاتب “تحويل الأموال” واحدة من البدائل التي أوجدها السوريون في مناطق المعارضة، سبقتها بدائل في توليد الكهرباء، وخدمات الإنترنت، وغيرها من الخدمات، وتعتمد هذه المكاتب اعتماداً أساسياً في عملها على التجار في مناطق سيطرة النظام والمعارضة

يدفع التاجر أمواله داخل سوريا، ويتم نقلها عبر سماسرة إلى مناطق المعارضة، بدلاً أن يدفعها خارج سوريا في عملياته التجارية، وتقوم المكاتب بدفعها في دول الجوار لصالح التاجر، ويتم الاعتماد على الدولار الأمريكي للتغلب على تقلبات الليرة السورية، إذ وصل سعر الدولار 500 ليرة سورية، بينما كان سعره قبل الثورة 50 ليرة سورية.

عمل مكاتب تحويل الأموال يتم في سوق نسبة الأمان فيه (صفر)، فعمليات التحويل، والنقل غير مدونة، ويتم العمل في بعض جزئياته بمناطق سيطرة النظام السوري، مما يحمل مخاطرة أكبر، قد تصل إلى استيلاء النظام على الأموال واعتقال حاملها، وفق ما ذكر أبو شادي، يعمل في مناطق سيطرة المعارضة بريف دمشق.

وُجدت مكاتب تحويل الأموال “غير الرسمية” لتبادل الأموال بين الخارج والداخل دون غطاء قانوني، ودون حماية لدافع الحوالة أو مستلمها، ولكنها أصبحت ضرورة بعد التشديد التركي على الحدود مع سوريا عام 2015، وكان سابقا تدخل الأموال إلى سوريا عبر أشخاص قادمين من تركيا.

نشطت حركة الأموال بين الخارج ومناطق سيطرة المعارضة عام 2016، بعد أن تحول اللاجئون في أوربا وتركيا إلى “عمالة” تخصص جزءاً من أموالها لدعم عائلات داخل سوريا، فضلاً عن ارتباط ناشطين إعلاميين ومدنيين في مناطق سيطرة المعارضة بوظائف مع مؤسسات خارجية.

أبو باسل، صاحب مكتب للحوالات المالية في ريف إدلب الجنوبي، يشرح لمراسل “الصوت السوري” آلية عملهم “يتم العمل عن طريق مندوبين في أغلب الدول, وفي تركيا لدينا مندوبين بكل الأقاليم التركية ومكتب رئيسي في مدينة الريحانية”.

ووفق أبو باسل “يلتقي صاحب الحوالة بمندوبنا، وبدوره يقوم المندوب بتوصيل المبلغ للمكتب الرئيسي، وبعد ذلك يتم تسليم المبلغ في مكاتبنا داخل سوريا وفق آلية تواصل معينة”.

أبو باسل صاحب مكتب من عشرات مكاتب التحويل في الشمال السوري، يستقبل مكتبه يومياً من 15 إلى 20 حوالة، تتراوح قيمتها بين 4 إلى 5 آلاف دولار أمريكي، ويتقاضى نسبة عمولة 2% من قيمة المبلغ.

بينما “تصل نسبة العمولة في مناطق المعارضة “المحاصرة” إلى 5% أو أكثر، وتتأثر وفقاً لاحتكار سماسرة “المال”، أو توفر المخزون من الدولار في تلك المناطق، وفق ما ذكر أبو سامر، صاحب محل صرافة في الغوطة الشرقية”.

أحمد أبو راشد، مدني من حي الوعر المحاصر، قال لـ”الصوت السوري” “أتلقى مصروفي الشهري من قريب لي في دول الخليج العربي، أضطر للانتظار أكثر من 10 أيام حتى تصل حوالة لا تتجاوز قيمتها 100دولار أمريكي، وقد تصل العمولة إلى 10% ، وهي نسبة غير ثابتة تتغير من مكتب إلى آخر.

حاول موقع “الصوت السوري” الحصول على أرقام تقريبية لحجم المال المتداول في مناطق سيطرة المعارضة، ولكن لا توجد أي دراسات أو مصادر لديها تقديرات مالية، إلا أن اعتماد المؤسسات والمدنيين في مناطق سيطرة المعارضة على الأموال الخارجية، يشير إلى أن حجم الحركة المالية يفوق ملايين الدولارات.

ونسبة عمولة التحويل المرتفعة على الحوالات الواصلة إلى مناطق المعارضة، تعطي مؤشراً عن حجم الأموال التي تنفق على التحويل، وفي غالبها تقتطع من حوالات مدنيين يعانون أوضاعاً إنسانية صعبة، أو منظمات تعمل في خدمة أولئك المدنيين.

أما عن الصعوبات التي تواجه عمليات تحويل الأموال في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بعضها لها علاقة بالعاملين في هذا القطاع، وأخرى تواجه الزبائن المتعاملين مع مكاتب الصرافة، يذكر أبو باسل، صاحب مكتب صرافة “أكثر الصعوبات التي تواجهنا في عملنا الحصول على رأس المال المتداول بين الأراضي المحررة وخارجها”.

من جهته، يشرح محمد علي، موظف لدى منظمة حقوقية، مقرها الرئيسي خارج سورية، معاناته لـ”الصوت السوري” في الحصول على راتبه الشهري، يقول محمد “الحصول على الراتب الشهري فيه مشقة كبيرة، فيجب أن أحصل عليه باليد وهذا أمر مستحيل بعد إغلاق الحدود التركية في وجه المدنيين، أو عن طريق تحويل المبلغ عبر مكاتب تحويل غير رسمية وما يترتب عليه من نسبة عمولة كبيرة، والتأخر في موعد استلام المبلغ”.

ويقول محمد “بما أن المكاتب “غير مرخصة” وتعمل في السوق السوداء، فلا يوجد أي جهة رقابية ألجأ إليها في حال وجود خطأ في الحوالة أو تلاعب”.

من جهته قال مدير مؤسسة إغاثية، رفض ذكر اسمه، لـ “الصوت السوري” “معاملاتنا المالية مع المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة مبنية على الثقة والعلاقات الشخصية، وسط غياب شركات الصرافة الرسمية، والتحويل يتمّ في كثير من الأحيان دون “قيود مالية” ما يجعل صاحب الحوالة أو مستلمها عرضة للاستغلال أو السرقة”.

ويعتقد مدير المؤسسة أن الدول المجاورة، والنظام العالمي مشارك في حصار المدنيين، مشيراً إلى أن “عمليات التحويل إلى مناطق سيطرة النظام تتم بقيود مالية، مما يحفظ لطرفي عملية التحويل حقوقهم بإيصالات رسمية على عكس مناطق المعارضة”.

ويضيف “عدم وجود مكاتب تحويل رسمية بذريعة تجفيف منابع الإرهاب، ولكن حاجة الناس دفعهم إلى إيجاد طرق بديلة لتحويل الأموال، ولكن دون غطاء يحميهم”.

لاقت فكرة مكاتب التحويل المحلية رواجاً واسعاً في أوساط المواطنين، رغم مخاطرها، أبو احمد،مدني في ريف إدلب الجنوبي، قال لـ “الصوت السوري” “لدي أولاد يعملون في تركيا, كانوا يرسلون لي بعض المال عن طريق أشخاص قادمين إلى سوريا، ومع التشديد من الجانب التركي على الحدود، أصبحت مكاتب التحويل هي الحل بالنسبة لي رغم النسبة التي تقتطعها من المال”.

لم يتوقف استعمال “المكاتب غير الرسمية” على المدنيين والتجار، بل اعتمدها منظمات إغاثية لتحويل الدعم المالي من خارج سوريا إلى داخلها لتغطية مشاريعها.

محمد نجار، منسق ميداني لدى إحدى المنظمات في إدلب، قال لـ “الصوت السوري” “انتشار مكاتب التحويل وفّر علينا الوقت والجهد، وقلّل نسبة المخاطرة التي ترافق عملية نقل الأموال, على خلاف السنين الأولى من الأزمة حيث كانت المبالغ تنقل باليد عن طريق المنظمة إلى داخل سوريا”.

رامي عثمان، إداري في منظمة إغاثية، يعتقد أن مكاتب التحويل في مناطق سيطرة المعارضة أوجدت حلولاً لجميع طبقات المجتمع المحلي، ولكنه لم يخف حجم المخاطر من تحويل مبالغ كبيرة مع مكاتب غير مرخصة، يقول عثمان لـ “الصوت السوري” “أنت تتعامل مع سماسرة مال ولكن لا بديل مناسب غيرهم، ولا بد لأعمالنا أن تستمر”.

يذكر أن شركات الصرافة المعتمدة في دول الجوار ، وشركات الصرافة العالمية  كـ “ويسترن يونيون”، تقوم بتحويل الأموال إلى مناطق سيطرة النظام السوري، وتوقف عملها مع كل منطقة تخرج عن سيطرة النظام.