أطلق ناشطون من مدينة الرقة، شمال سوريا، الواقعة تحت سيطرة تنظيم داعش، حملة إعلامية بعنوان “أنقذوا مدنيي الرقة”، لتسليط الضوء على معاناة المدنيين داخلها بعد أن اشتّدت معاناتهم، جراء معارك قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بالتنسيق مع التحالف الدولي، ووقوع المدنيين تحت الحصار داخلها.

وتشهد المدينة، وهي عاصمة التنظيم في سوريا، معارك عنيفة بين “قسد” وتنظيم داعش، فضلاً عن غارات للتحالف الدولي الداعم لـ”قسد” الذي استخدم في بعض غاراته “الفوسفور” المحرم دولياً، وفق ما ذكرت صفحات محلية.

عسكرياً ، وصلت الاشتباكات، اليوم الثلاثاء، بين داعش وقسد إلى منطقة الصناعة والسور الأثري في الشرق، بعد أن سيطرت قسد في وقت سابق على أحياء عدة من الجهتين الغربية والشرقية، فبسطت سيطرتها على حي المشلب شرقاً، والسباهية والجزرة والرومانية غرباً.

أما من الجانب الإنساني، تحيق بمائة ألف مدني داخل الرقة أخطارٌ متعددة ما بين قصف من التحالف، وقذائف القوات المقتحمة “قسد”، فضلاً عن مخاطر النزوح، حيث ألغام التنظيم المزروعة، وطرق نزوح غير آمنة.

حيث يُقدر عدد المدنيين المتبقين داخل مدينة الرقة نحو 100 ألف نسمة، يعيشون ظروفاً معيشية ونفسية صعبة، وفق ما ذكر فرات الوفا، ناشط من مدينة الرقة لـ”الصوت السوري”.

ويعاني سكان المدينة شحاً في المواد الاستهلاكية والغذائية جراء الحصار المفروض، في قسد، فيما حوّل المدنيون أماكن عامة لـ”مقابر” لدفن ضحايا القصف، حيث تحوّل “قصر البنات” الأثري إلى مقبرة، وفق ما ذكرت صفحة الرقة تذبح بصمت.

ورغم أن جيهان شيخ أحمد، الناطقة الرسمية لغرفة عمليات “غضب الفرات” قالت لمراسل “الصوت السوري”، الخميس الماضي، أنه “تم فتح ممرات آمنة من الجهة الغربية في أحياء المشلب لتسهيل وصول المدنيين إلى مناطق سيطرة “قسد”، إلا أن ناشطين من الرقة نفوا ذلك.

وأردفت جيان “هناك نزوح كبير إلى مناطقنا، وتمكنت قواتنا من إنقاذ حياة مدنيين من الرقة ونقلتهم إلى مناطق آمنة، وقد صرحنا سابقاً عن إنقاذ حياة عشرات الآلاف من المدنيين من المناطق التي تم تحريرها”.

من جهته تساء فرات الوفا، خلال حديثه لـ”الصوت السوري” “أين هذه الممرات الآمنة؟ وكم عدد الأشخاص الذين خرجوا منها وإلى أين؟!”.

وقال الوفا “يُمنع المدنيون من دخول مناطق قسد بحجة الخوف من تسلل الدواعش بينهم، ومن يُسمح له بالخروج تربطه علاقة مسبقة مع قسد ويتم سوقه إلى مخيمات عين عيسى”.

وكان مجلس محافظة الرقة التابع للحكومة السورية المؤقتة قد أصدر بياناً الأربعاء الماضي، طالب فيه التحالف الدولي بضرورة حماية المدنيين، وفتح ممرات آمنة لتأمين خروج المدنيين من مناطق الاشتباكات، وتأمين ملاذ آمن لهم في مخيمات تتوفر فيها كل متطلبات الحياة الإنسانية.

ودعا المجلس في بيانه جميع القوى المتحاربة على أرض الرقة إلى ضرورة الالتزام بالمعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية في زمن الحرب، ومراعاة قوانين حقوق الإنسان، محملاً التحالف الدولي وقوات “سوريا الديمقراطية” أية مسؤولية جنائية أو جرائم ضد الإنسانية ترتكب بحق أبناء الرقة.

المحامي أبو فهد العجيلي، من مدينة الرقة، يقيم في تركيا، قال لـ”الصوت السوري” بأن “الرقة لم تعد تحتمل المزيد من الجرائم، منها ما وقع على أبنائها من تنظيم داعش، وأخرى تحدث الآن خلال معارك طرده، وقد تحد ما بعد ذلك جرائم أخرى”.

وفي هذا الصدد نشرت حملة الرقة تذبح بصمت إنفوغرافيك يوضح أعداد الضحايا في صفوف المدنيين منذ بدء حملة “غضب الفرات” في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 وحتى 31 أيار/ مايو الماضي.

وبحسب “الرقة تذبح بصمت” نفذ التحالف الدولي 1161 غارة أودت بحياة 1075 مدني، فيما تسببت قذائف “قسد” بمقتل 65 مدني، أما “داعش” فكان مسؤولاً خلال هذه الفترة عن مقتل 274 مدني.

وأدلى العجيلي بمعلومات لـ”الصوت السوري” قال أنه حصل عليها من أهله داخل المدينة، مشيراً أن النزوح قبل أن تصل المعارك إلى تخوم الرقة كانت أسهل نسبياً، ويمكن للراغب في النزوح وميسور الحال أن يخرج مقابل مبلغ مالي يتراوح من 200 إلى 500 دولار أمريكي، ودون مضايقات من داعش.

وأضاف “أما اليوم قناصة داعش تستهدف أي محاولة للنزوح، والطرق ليست آمنة، فضلاً عن عدم توفر ممرات آمنة وواضحة للمدنيين، فلا وجود لمنشورات يلقيها التحالف تحدد المعابر وآليات عملها”.

وعلى صعيد دولي، قال مدير الشؤون العامة لمنطقة الشرق الأوسط في لجنة الإنقاذ الدولية توماس جاروفالو، الثلاثاء الماضي، في بيان منشور “لاحظت لجنة الإنقاذ الدولية انخفاضاً في عدد الفارين من الرقة خلال الأسبوع الماضي، وهو ما قد يشير إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية ينوي استخدام 200 ألف شخص لا يزالون محاصرين في المدينة كدروع بشرية”.

وأضاف “من يحاولون الفرار مع تقدم قوات سوريا الديمقراطية في المدينة يواجهون خطر القتل بسبب الألغام وقناصة تنظيم الدولة وكذلك الضربات الجوية”.

التفاوض من أجل تسليم الرقة

ذكرت مواقع إخبارية محلية عن وجود مفاوضات بين وجهاء عشائر مدينة الرقة من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية من جهة، وأن الوجهاء يفاوضون “قسد” على تسليم داعش للمدينة وانسحابه دون قتال.

ولكن عمر علوش، عضو مكتب العلاقات في المجلس السوري الديمقراطي نفى ما تم تداوله، وقال لمراسل “الصوت السوري” “لا صحة لما يشاع، وحقيقة الأمر بأن ثلاثة شيخوخ من عشائر الرقة قاموا بتسليم أنفسهم لقوات سوريا الديمقراطية بعد العفو الذي تم إصداره”.

وأوضح علوش أن “الشيوخ الثلاثة هم الشيخ عواد الشلاش، والشيخ هويدي شلاش هويدي، والشيخ تامر ملحم الدرويش، فضلاً عن آخرين قاموا بتسليم أنفسهم”، مشيراً أن المجلس السوري الديمقراطي أخضع الأشخاص الذين سلموا أنفسهم لندوتين”.

إفراط عسكري بحق الرقة وأهلها

اتهم ناشطون قوات “قسد” والتحالف الدولي بالإفراط في القوة النارية، حيث طال القصف أحياءً سكنية بعيداً عن جبهات القتال، وتتسبب هذه الغارات بمقتل وإصابة العشرات بومياً.

وذكر تقرير لحملة “الرقة تذبح بصمت” أن حيي المشلب والسباهية تعرضا لدمار كبير، وثقته عدسات القوات المهاجمة، وطال الدمار بنى تحتية ومباني حكومية وخدمية، فضلاً عن منازل المدنيين.

وبحسب التقرير تشارك في دمار الحيين الطرفان، فالتحالف يدمر من جهة، وتنظيم داعش يفخخ ويفجر من جهة أخرى، حتى بلغت نسبة الدمار في المشلب والسباهية نسبة 50 بالمائة.

ومن جهته قال فرات الوفا لـ”الصوت السوري” “إن عدد الضحايا تجاوز 700 مدني، قتلوا خلال أقل من شهرين”.

يذكر أن قوات سوريا الديمقراطية أعلنت في 6 حزيران الجاري، انطلاق “المعركة الكبرى لتحرير الرقة” بمشاركة تشكيلات عسكرية كردية وعربية، واستثنى بيان المعركة فصيل لواء ثوار الرقة، وهو فصيل عربي يتبع للجيش الحر، كان شريكاً مع وحدات حماية الشعب الكردية بتحرير مدينة تل أبيض بريف الرقة الشمالي 2015.