“مصائب قوم عند قوم فوائد” هذا ما فعله القرار التركي الصادر في العاشر من الشهر الجاري، بعد تحوّل طريق التجارة من معبر باب الهوى إلى باب السلامة، فتأثر اقتصاد إدلب الخاضعة للمعارضة السورية، وانتعش اقتصاد “عفرين” التابعة للإدارة الذاتية “الكردية”.

وكانت تركيا قد أعلنت عن تقليص حجم المواد والسلع “غير الإنسانية” المصدرة إلى سوريا عبر معبر باب الهوى الحدودي، في العاشر من آب/أغسطس الجاري، بعد سيطرة هيرة تحرير الشام على عموم محافظة إدلب عقب اقتتالها مع حركة أحرار الشام في 18 تموز/ يوليو الماضي.

وبعد القرار التركي تحول “الطريق التجاري” إلى معبر باب السلامة الحدودي، شمال حلب، ومنه إلى ريف حلب الغربي ومحافظة إدلب، مروراً بـ”عفرين” الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية “الكردية”.

وبالتزامن مع القرار التركي، فرضت الإدارة الذاتية في مقاطعة عفرين “رسوم ترانزيت” على المواد التي تمرّ عبر أراضيها، مما أدى إلى ارتفاع مواد البناء في مناطق المعارضة السورية بمحافظة إدلب وريف حلب الغربي ارتفاعاً ملحوظاً.

وبحسب لائحة صادرة عن الإدارة الذاتية في عفرين (انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي)، تبلغ رسوم عبور الدهانات 50 دولار أمريكي للطن الواحد، أما المدافئ بأنواعها 100 دولا أمريكي للطن الواحد، فيما تبلغ الرسوم لعبور الإسمنت والحديدد 10 دولار أمريكي للطن الواحد.

وتدخل الشاحنات إلى أراضي الإدارة الذاتية في عفرين عند معبر “قطمة”، وهو أول حاجز لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” التباعة لوحدات الحماية الشعبية الكردية، وفق ما ذكر حسن المحمد، تاجر في ريف حلب الشمالي لـ”الصوت السوري”.

شاحنة محملة بالإسمنت في معبر باب الهوى قبل إغلاقه

وأضاف المحمد “تفرض الإدارة الذاتية الضريبة على السائقين وفقاً لنوع الحمولة ووزنها، علاوة عن فرض 10 دولار أمريكي على كل شاحنة، فيما يعرف بـ”الترفيق” حيث يرافق عناصر يتبعون لـ”قسد” الشاحنة داخل أراضي عرفين من حاجز قطمة وحتى حاجز الغزاوية جنوب غرب مدينة عفرين.

وقدّر المحمد عدد الشاحنات التي تعبر “عفرين” بنحو 75 سيارة يومياً، حمولة الشاحنة الواحدة تقدّر بنحو 54 طن، أي أن العائدات اليومية من حركة العبور تتجاوز 41 ألف دولار أمريكي.

وفي حديث مع مصدر إعلامي من الإدارة الذاتية، قال لـ”الصوت السوري” أن “العائدات من رسوم الترانزيت في عفرين تعود لمقاطعة عفرين، وليست إلى الإدارة الذاتية، لأن كل مقاطعة لها ميزانية وإدارة خاصة”.

ونوّهت إلى أن “هذه الضرائب تعود إلى المؤسسات الخدمية في مقاطعة عفرين، ومصاريف للقوات العسكرية المرابطة على حدود عفرين، ورواتب العمال والموظفين”.

ولعب موقع عفرين الاستراتيجي دوراً هاماً في انتعاشها الاقتصادي، فعلاوةً عن عائداتها من الضرائب والرسوم من حركة “الترانزيت”، استغلت الأوضاع الأمنية “الجيدة” نسبياً فانتشرت فيها مشاريع تجارية وصناعية، كصناة الألبسة والأقمشة وإنتاج المواد الغذائية. [اقرأ تقرير للصوت السوري: الموقع الاستراتيجي لـ “عفرين” ينعشها اقتصادياً].

المواطن هو الحلقة الأضعف، والمتضرر الأكبر، من قرار منع دخول الشاحنات من معبر باب الهوى، فتحمّل مصاريف الشحن الإضافية التي فرضتها زيادة المسافة، ورسوم الترانزيت التي فرضتها الإدارة الذاتية لمرورها من عفرين.

فراس سند، مدني في ريف إدلب الجنوبي، قال لمراسل “الصوت السوري” “توقفت عن البناء بسبب غلاء مادتي الإسمنت والحديد، فالطن الواحد من الإسمنت وصل إلى 110 دولار أمريكي بعد تحويل دخوله إلى معبر باب السلامة، بينما كان لا يتجاوز 52 دولار أمريكي في أحسن أحواله عندما كان يصلنا مباشرة من معبر باب الهوى”.

“وشلل حركة البناء في محافظة إدلب انعكست على اليد العاملة، حيث تشهد المحافظة نسبة بطالة عالية منذ منع تركيا دخول مواد البناء من معبر باب الهوى”.

وسجّلت مواد البناء في ريف حلب الغربي أسعاراً قريبة من إدلب، حيث وصل سعر طن الأسمنت فيها 100 دولار أمريكي تقريباً، بعد أن كان لا يتجاوز 51 دولار أمريكي، ووصل سعر طن الحديد إلى 675 دولار أمريكي بعد أن كان 400 دولار أمريكي قبل القرار التركي، وفق ما ذكر السيد علي الأحمد، صاحب متجر لبيع الإسمنت في ريف حلب الغربي لمراسل “الصوت السوري”.

وأضاف الأحمد “تراجعت مبيعات الإسمنت والحديد بنسبة 60% في المنطقة نتيجة تحوّل طريق العبور، وتوقفت عشرات المشاريع العرمانية عن العمل وتأجيلها إلى أن يتم حلّ مشكلة ارتفاع الأسعار”.

وفي محاولة للوقوف إلى جانب المواطن “المستهلك” خفّضت إدارة معبر باب السلامة، التابعة للمعارضة السورية، الرسوم الجمركية على معظم البضائع الداخلية إلى سوريا، وفق ما ذكر السيد محمد القد، أمين جمارك معبر باب السلامة لـ”الصوت السوري”.

وأضاف “القد” أن جمارك معبر باب السلامة خفّضت الرسوم الجمركية على الإسمنت من 6 دولار أمريكي للطن إلى 5 دولار، والحديد من 10 دولار للطن إلى 8 دولار للطن، فضلاً عن تخفيض رسوم عشرات الأصناف التي تم منع عبورها من باب الهوى كالزيوت المعدنية، وقطع غيار السيارات، والأدوات الكهربائية وغيرها.

وبحسب “القد” بدأ العمل بالرسوم الجديدة بعد القرار الصادر عن إدارة المعبر في الرابع عشر من شهر آب/ أغسطس الجاري.

ولكن المدنيون وقعوا ضحية “جشع التجار”، فأسعار مواد البناء لم تنخفض على الرغم من خفض معبر باب السلامة للرسوم الجمركية، نتيجة استغلال التجار الذين يقومون بنقل المواد من باب السلامة إلى إدلب وريفها الغربي، وفق ما ذكر “القد” لـ”الصوت السوري”.

يُشار إلى أن تقليص تصدير المواد غير الإنسانية، جاء كردّ تركي على تدهور الأوضاع الأمنية في معبر باب الهوى، وفق تصريح لوزير التجارة والجمارك التركي بولنت توفنكجي.