لم يسلم اللاجئون السوريون من آثار الحرب، ولعلّ النسيج السوري في الخارج يواجه التحدي الأخطر منذ عشرات السنين، فالهجرة، وظروف الناس في بلدان اللجوء، تركت أثراً سلبياً في العلاقات الاجتماعية للسوريين، بعد أن كانوا مضرب المثل في التواصل والترابط الاجتماعي.

يعاني اللاجئون من تفكك – لم يعد خافياً على أحد -، وعزلة تخيّم على العائلات السورية المنتشرة في الأردن، رغم الأعداد الكبيرة، ففي آخر إحصائية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بلغ أعداد السوريين في الأردن 655 ألف نسمة.

ولاء، شابّة سورية، وصلت مع عائلتها إلى الأردن قبل أربع سنوات، هرباً من بطش النظام، تشعر بالاستياء من التغييرات التي طرأت على النسيج الاجتماعي للسوريين في بلاد اللجوء،  تقول لـ”الصوت السوري” “كنت متفائلة بوجود عدد كبير من أقاربي وصديقاتي وأبناء بلدي، وظننت أن ذلك سيخفف من آثار الغربة والحنين للوطن، ولكن أشعر أني بعيدة عن الجميع، إذ أنهم مشغولون بمشكلاتهم”.

وفي حديثها لـ”الصوت السوري” عن معاناتها في “الغربة”، تقول “تباعدت فترات زيارة الأقارب، وفقدت الكثير ممن كنت أعرفهم في سوريا على عكس مما توقعت، في البداية ألقيت باللوم عليهم، ومع مرور الوقت أصبحت أتصرف بالطريقة ذاتها، ولا أعلم لماذا؟”.

أما ندى، فتاة من العاصمة دمشق، لجأت إلى الأردن مع عائلتها، اضطرت للابتعاد عن أبناء بلدها، لكثرة سؤالها عن منطقتها التي قدمت منها، واتجاهها السياسي أو الطائفي، لا سيما أنها من منطقة لا تزال تقدم الولاء للنظام السوري، ومعظم اللاجئين إلى الأردن من مناطق تحت سيطرة المعارضة.

تقول ندى لـ”الصوت السوري”  “لم نعش هذه التفرقة في حياتنا إلا هنا، علماً أن لا ذنب لي ولا للكثير من منطقتي في الأحداث السياسية التي تحكم المنطقة”.

تحتاج ندى لأبناء بلدتها في غربتها أكثر من أي وقت آخر، فالإنسان بطبعه يألف ويحتاج من يشابهه، ولكن الحرّب خلّفت واقعاً تحكمه المسميات الطائفية، وفق ما ذكرت لـ”الصوت السوري”.

الخوف على تمزّق النسيج الاجتماعي للسوريين في لجوئهم، لا يشكل خطراً آنياً فحسب، بل قد ينعكس على أجيال قادمة، فالشاب وليد الحمصي، تساءل من خلال حديثه لـ”الصوت السوري” “كيف سننقل لأبنائنا، الذين حرموا من رؤية سوريا والعيش فيها، عاداتنا وتراثنا وتقاليدنا وانتماءنا، ونحن متقوقعون على أنفسنا نخشى الفقر وننبحث عن فرصة لتمكنين أنفسنا في مجتمع جديد؟!”.

الشاب ياسر، يعمل في أحد المحال التجارية، يرى أن لا بدّ من تغيّر السلوك مع تغير البيئة التي يعيشها فيها، ويقول في حديثه لـ”الصوت السوري” “أعمل في محل تجاري لمدة عشرة ساعات يومياً، وأتواصل مع محيطي في العمل، وأحاول دائماً بناء علاقات جيدة مع المجتمع الذي لجأت إليه، وقد يكون لذلك أثراً في تراجع التواصل مع أهلي في هذا البلد”.

وبحسب ياسر فإن “تراجع التواصل مع أهله وأبناء بلده خارجٌ عن إرادته، فهذا واقع فرضه اللجوء عليهم”.

وللبحث عن تفسير لظاهرة تراجع العلاقات الاجتماعية بين السوريين في الأردن، التقت مراسلة “الصوت السوري” مع المرشدة النفسية تسنيم زهير، قالت زهير لـ”الصوت السوري” “بحسب تسلسل ماسلو الهرمي للاحتياجات، فإن الشخص يهتم بتأمين احتياجاته الأساسية في البداية كإيجاد الطعام والشراب، ومن ثم السلامة الجسدية والأمن الوظيفي والصحي، ومن ثم يلتفت إلى احتياجاته الاجتماعية”.

وترى أن تعرض النسيج الاجتماعي للاجئين السوريين للتفكك أمر طبيعي، “فلا يكاد اللاجئ ينشغل بلقمة العيش، وتأمين الدواء، إلا وينتهي يومه في حدود ذلك، بعيداً عن حياة اجتماعية صحيّة”.

وتضيف “يلعب الوضع الاقتصادي للاجئ دوراً مهماً، وذلك أدى إلى تغيير في السلوك أيضاً فالعمل لم يعد منن مسؤولية الرجل فحسب، بل يجب أن يعمل كل أفراد العائلة الأب والأم والأبناء ليعيشوا معيشة متوسطة”.

من جهته قال السيد موسى العموش، أحصائي في الإرشاد النفسي – أردني الجنسية – في حديثة لـ”الصوت السوري” “الأصل في العلاقات الاجتماعية أن تكون جيدة جداً بين أبناء البلد الواحد في الغربة، ولكن تجربة السوريين في الأردن مختلفة، ويعود ذلك لأسباب عدّة”

وبحسب العموش “في العادة أعداد الجاليات من البلد الواحد محدودة، أما السوريين في الأردن وصل عددهم في وقت من الأوقات لأكثر من مليون وثلاثمائة سوري، أي أنهم مجتمع صغير يضم مشكلات أي مجتمع، ونتيجة لهذا العدد الكبير زاد التنافس بينهم على تلقي الخدمات والفرص من الجهات الداعمة، ما قد يشعر اللاجئ السوري بأن لاجئاً آخر منافسٌ له”.

ومن الأسباب التي ذكرها العموش لـ”الصوت السوري” “تصل حالة اللاجئ في بعض الأحيان لمرحلة النكران لذاته وجنسيته، والهروب من الواقع المفروض عليه باسم هذه الجنسية، ويعود ذلك لما تعرض له السوريون من الظلم وعدم تقبّلهم داخل بلدهم أو خارجه”.

مشيراً أن لسان حال بعض السوريين “لا أريد أن ترافقني كلمة (سوري) في كل مكان” وهو ما يدفعه إلى الانتماء إلى مجتمع آخر والابتعاد عن أبناء بلده.

وختم العموش حديثه “يشعر اللاجئ السوري بأنه أشدّ الناس تعرضاً للظلم في العالم، وهذا شعور بحدّ ذاته يولّد كراهية الآخرين من جنسيته أو جنسيات أخرى، وتظهر ما يسمى بالغيرة السلبية تجاه الآخر، وهوا ما يدفعه إلى الانعزال عن العالم الخارجي والعلاقات الاجتماعية مع أناس يتمتعون بما حُرم منه”.

هي حياة جديدة أُجبر عليها السوريون بسبب الحرب، كان لابد من التأقلم معها لأجل الاستمرار، فهنا – أي في دول اللجوء –  ليس المهم أن تعيش بالطريقة التي تحب، ولكن الأهم أن تستمر في الحياة، وهو ما جعل “التواصل الاجتماعي” المباشر بين السوريين في أدنى مستوياته، وأعطى فرصة لوسائل التواصل الاجتماعي لتأخذ دورها في العلاقات الاجتماعية بين السوريين في الدولة الواحدة، دون أن تتطلب منهم التزام بالوقت والمكان.