تشهد مدن وبلدات محافظة إدلب، شمال سوريا، تبايناً واضحاً في النشاط الإغاثي، فالتوزيع يبلغ ذروته في أقصى الشمال عند الشريط الحدودي، ويتضاءل نحو الجنوب، ما تسبب بخلل في الجهد الإغاثي، وأوجد فائضاً في منطقة وحاجة في أخرى.

وتستهدف المنظمات الإنسانية في محافظة إدلب النازحين في المقام الأول، وسكان المدينة الأصليين من ذوي الحاجة ثانياً، إلا أن بعض قرى ريف إدلب الجنوبي لم يحصل سكانها الأصليون على مساعدات غذائية منذ نحو 8 شهور، وما سبق ذلك كانت تحصل على مساعدات متقطعة وغير منتظمة، وفق ما أفاد مراسل “الصوت السوري” في إدلب.

علاء الددو، رئيس المجلس المحلي لبلدة كفرعويد بريف إدلب الجنوبي، قال لمراسل “الصوت السوري” أن “بلدته لم تتلقى سلالاً غذائية منذ 8 شهور، حيث استلمت حينها من منظمة اتحاد السوريين في المهجر 650 سلة غذائية تم توزيعها على المحتاجين من أهل القرية”.

وأردف الددو “يبلغ عدد سكان بلدة كفرعويد 20 ألف مدني، منهم 4500 نازح من بينهم مهجرين من حي القابون الدمشقي وصلوا منتصف شهر أيار/ مايو الماضي، ونازحون من وادي بردى وريف حماة، لم تتلقى البلدة مساعدات منذ ثمانية شهور باستثناء جزء من النازحين إلى البلدة عبر منظمة PAH التي تنفذ مشاريعها في البلدة”.

من جهتها نفت هيئة الإغاثة الإنسانية IHH على لسان حذيفة أبو خالد، مسؤول إغاثي في مركز باب الهوى اللوجستي، أن يكون هناك تمييز بين المقيم والنازح، وقال في حديثه لـ”الصوت السوري” أن “المنظمة تعتمد معيار الحاجة والفقر، وتضع اعتبارات النزوح بعين الاعتبار في حالات النزوح الجديدة وعمليات التهجير القسري”.

وعزا أبو خالد حرمان قرى من المساعدات لعدة أسباب منها: عدم وجود مجلس محلي كفؤ، حدوث مشكلات في القرية أثناء عمليات توزيع سابقة، وجود جماعة عسكرية مسيطرة تفرض العمل تحت وصايتها، أو قرى غير مستقرة كـ خان شيخون وما حولها، والهبيط، وهذه المناطق لا يتم التوزيع فيها لعدم استقرارها من الناحية الأمنية.

سياسات المنظمات الإغاثية والمبررات بوجود تباين في التوزيع بين منطقة وأخرى، غير مقنع لأبناء المناطق المحرومة، وبحسب الشاب محمد الإدلبي (30 عاماً) فإن “عدم وصول المعونات سببه الأساسي عدم التنسيق بين المنظمات، وعدم وجود ضوابط موحدة للعمل الإغاثي فكل منظمة تضع معاييراً خاصة بها”.

وأضاف الإدلبي “القرى المحرومة هي مستقرة في الوقت الراهن، ويمكن لأي منظمة الوصول إليها، والدليل أن تلك المنظمات تصل لإيصال مساعدات للنازحين بتلك القرى بشكل مستمر ولكن أبناء المنطقة المحليين محرومون من ذلك”.

ويشعر الإدلبي بعتب على المنظمات الداعمة، ويعتقد أن تلك الممارسات من شأنها أن تولد حساسية بين السكان الأصليين وضيوفهم، لا سيما أنهم يرون في التوزيع تمييزاً بين شخص وآخر، رغم أنه “يفرح للنازحين الفقراء” حسب قوله.

واقع الإغاثة في إدلب أفضى إلى رواج “تجارة المواد الاغاثية” وانتشار المحال التجارية المخصصة لعمليات بيع وشراء المساعدات الإنسانية في شتى مناطق المحافظة، وتكون أكثر ازدهاراً في المدن الحدودية حيث تنتشر مخيمات النازحين.

عبد الرحمن بكور، من سكان منطقة أطمة الحدودية، يحصل على سلتين غذائيتين شهرياً من منظمتين مختلفتين، وتحتوي السلتين على المواد ذاتها (السكر، الأرز، الزيت النباتي، العدس، البرغل… وغيرها من الأصناف).

يقول البكور لمراسل “الصوت السوري” “السلتان تكفي العائلة خلال الشهر، نستهلك السكر والزيت النباتي، ويفيض عندنا مواد أخرى كالأرز والبرغل والعدس، ونظراً لتراكمها وقلة استهلاكها نقوم ببيعها وشراء مواد ضرورية لازمة أخرى كمادة الشاي والزيت”.

ولا يجد البكور صعوبة في بيع “مستحقاته الإغاثية” ففي منطقة أطمة لوحدها يوجد أكثر من 10 محلات تجارية تختص ببيع وشراء المواد الإغاثية، حسب قوله.

مواد غذائية مخصصة للتوزيع معروضة للبيع في أحد المحال التجارية

وفي إدلب الجنوبي، تنتشر محلات بيع وشراء المواد الإغاثية، رغم ضعف التوزيع الإغاثي فيها مقارنة بالشمال.

وتقوم المحلات التجارية بشراء جميع أنواع المساعدات بأسعارها الحقيقية مع إضافة هامش ربح، وتعود بطرحها في الأسواق، وفق ما ذكر محمد القدور، صاحب محل لبيع المواد الإغاثية في أطمة لمراسل “الصوت السوري”.

وضرب القدور مثالاً بأنهم “يشترون سلال مواد التنظيف التي توزع على النازحين أو بعض الأصناف الأخرى التي لا توزع على السكان المحليين، وبالتالي نشتري من النازح ونبيع لأبناء المنطقة”.

من جانبها تتلقى شرطة إدلب الحرة الشكاوي المتعلقة بخصوص توزيع المعونات، وبعد إجراء التحقيقات ترفع القضية إلى المحاكم المدنية للحكم بالموضوع، وفق ما ذكر الرائد حسين الحسيان، مدير القسم الإعلامي في شرطة إدلب الحرة.

وأكد الحسيان على ضرورة التفريق في عمليات بيع المعونات، وبحسب قوله “بيع المستفيد لسلته الغذائية لا يعتبر جرماً، إلا إذا سجّل بأكثر من اسم وهمي في المنظمة المانحة واستلم مساعدات على هذه الأسماء لمصلحته الشخصية”.

وكذلك فإن المنظمات الإغاثية لا تجد مشكلة في بيع المستفيد لسلته الإغاثية أو مواد منها، لإدراكها عدم تقديم كافة الاحتياجات الضرورية للمحتاج بالكميات المناسبة، ولكن إذا ثبتت عملية البيع من مجموعات أو جمعيات إغاثية محلية فإن المنظمات تمنع الدعم عن هذه المجموعات وترفع شكوى إلى المحاكم إذا توفرت الأدلة عليهم، وفق ما ذكر حذيفة أبو خالد لـ”الصوت السوري”.

المشكلات التي أفرزها “العمل الإغاثي” دفعت ببعض المنظمات إلى حلول مبتكرة لعلّ أحدثها توفير فرص عمل عن طريق مشاريع صغيرة ومتوسطة للمحتاجين، لما تحققه من استقرار للمحتاجين.