انتشرت الأدوية “أجنبية المنشأ” في مناطق المعارضة السورية شمال سوريا، رغم تباين فعاليتها العلاجية، وسط تراجع للأدوية المحلية، التي تحظى على ثقة المواطن السوري، ما دفع مديرية صحة إدلب “الحرة” في نيسان/ أبريل الماضي، إلى إنشاء قسم “الرقابة الدوائية” لضبط الأدوية التي تدخل بطرق غير شرعية.

وأقدم قسم “الرقابة الدوائية” يوم الثلاثاء ، على إتلاف شحنة من الأدوية المستوردة منتهية الصلاحية من مستحضرات تلمي سارتان “telmisartan”

وتمكن قسم الرقابة الدوائية بعد تأسيسه من ضبط شحنات غير مطابقة للمواصفات قبل دخولها السوق، وقال الطبيب علاء أحمدو، مدير قسم الرقابة الدوائية، لمراسل “الصوت السوري” “تمكنا من ضبط شحنة من أدوية الروبامايسين، أو السبيرامايسين، وتحوي 100 ألف عبوة، بقيمة 200 ألف دولار أمريكي، تم إتلافها كلياً، لأنها تحوي على تركيز مادة فعالة، أقل من 10% وهو الحد الأدنى المطلوب، وذلك بعد إجراء التحاليل اللازمة لها”.

وأضاف أحمدو “أدوية كثير منتشرة لا يعرف مصدر استيرادها بالإضافة لأدوية أخرى يستوردها تجار عبر معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا بشكل عشوائي، وغير منظم ما يفرض علينا مراقبة ومتابعة الصيدليات ومستودعات الأدوية”.

ويعمل قسم الرقابة الدوائية على ضبط دخول المنتجات الطبية البشرية والبيطرية، ومراقبة معامل الدواء في المناطق المحررة كما يتم إجراء تحاليل للأدوية المنتشرة في الصيدليات والمستودعات، عبر أخذ عينات منها بشكل دوري، وفق الدكتور أحمدو.

لا يقتصر قسم الرقابة الدوائية على الشحنات الطبية التجارية، وإنما يمارس سلطته على المستحضرات الطبية التي تدخلها المنظمات الإنسانية إلى سوريا، وذلك عبر إجراء فحوصات معينة، والطلب من الجهة “المسؤولة” عن الشحنة تحاليل وشهادات طبية خاصة بشحنات الأدوية المراد إدخالها.

ووفق الأحمدو “تم إصدار 8  تعاميم بخصوص الرقابة على الأدوية، وأهمها التعميم رقم (6) لعام 2016 الصادر بالتعاون مع إدارة إدلب الحرة، والقاضي بتنظيم عمل الصيدليات ومستودعات الأدوية وضرورة ترخيصها من الجهات الطبية المعنية”.

معامل غير مرخصة

مع خروج محافظة إدلب عن سيطرة قوات النظام عام 2015،  ظهرت عدد من مصانع الأدوية غير المرخصة، وبلغ عددها 5 معامل، منها 3 معامل بمنطقة دارة عزة شمال إدلب، وتهتم بإنتاج أنواع مفقودة في السوق المحلي بأسعار منخفضة، ولكن على حساب المادة الفعالة.

عبد الله الحلبي، صاحب مستودع للأدوية في ريف إدلب الجنوبي، قال لمراسل “الصوت السوري” “تحول سوق الدواء المحلي إلى استهلاكي، يسهل تصريف الأدوية فيه من قبل تلك المعامل، ناهيك عن تحول السوق إلى مكان لـ”التجارب” وسط غياب الرقابة الفعالة من الجهات المختصة”.

إلا أن قسم الرقابة الدوائية في إدلب بعد إنشائه في نيسان/أبريل عمل على مراقبة تلك المعامل، ومنعها من العمل دون مطابقة المواصفات والمقاييس اللازمة للصناعة الدوائية وفق المعايير المعروفة.

وقال مدير قسم الرقابة الدوائية لـ”الصوت السوري” “نعمل على منح تراخيص لمعملي أدوية، أحدهما في مدينة سرمدا الحدودية، والآخر في مدينة إدلب، وسوف نعمم الأمر على باقي المعامل، وفق تعميم ملزم صدر مؤخراً، يقضي بضرورة الحصول على ترخيص رسمي من قبلنا لمزاولة العمل”.

بيع الأدويةمفرق

أصدرت وزارة الصحة الحكومية عام 2012 تعميماً يسمح ببيع الأدوية دون تغليف، وانتشرت هذه الظاهرة في الأسواق وعبر باعة متجولين، ما أدى إلى استغلال معامل الأدوية لتلك الظاهرة، وزيادة إنتاجها م الحبوب العلاجية، أو المراهم والكريمات وغيرها.

ورغم إلغاء القرار لاحقاً إلا أن بيع الأدوية بهذه الطريقة مستمر في محلات غير مرخصة، حيث تباع بعض أنواع الأدوية المسكنة للآلام في محلات المواد الغذائية، ويعتبر ذلك غاية في الخطورة، لا سيما أن بيع الأدوية من أشخاص غير مؤهلين علمياً، وعدم معرفتهم بالآثار الجانبية للأدوية قد يتسبب بمضاعفات خطيرة كإجهاض الحوامل، أو حدوث اختلاجات، أو ضيق تنفس، وفق ما ذكر صيدلاني في ريف إدلب الجنوبي لـ”الصوت السوري”.

وللقضاء على هذه الظاهرة يقوم قسم الرقابة الدوائية في مديرة صحة إدلب “الحربة” بجولات دورية على الصيدليات ومستودعات الأدوية، والتأكد من ممارسة مهنة الصيدلة من صيدلاني أو شخص مختص بهذا المجال، بموجب التعميم رقم (6) لعام 2016 سابق الذكر .

ثقة السورين في المناطق “المحررة” بالأدوية الوطنية ومقارنتها علمياً بالأدوية الأجنبية

الأدوية الأجنبية المنتشرة في الأسواق تفوق نسبة فعاليتها العلاجية عن 80%، وتتباين هذه النسبة من شركة إلى أخرى، ولكن ثقة الناس بالأدوية المحلية يعود للعامل النفسي، وثقة الناس بالمستحضرات الدوائية السورية سابقاً، ولكن فقدان أكثر من 40 صنف هام من الأدوية المحلية أدى إلى استخدام البديل الأجنبي، وفق ما ذكر مرعي أبو أسامة، صيدلاني من ريف إدلب الجنوبي لـ”الصوت السوري”.

وأضاف المرعي إلى أن الأدوية الأجنبية البديلة عموماً ليست سيئة، ولكن بعض الأصناف تكون ذو فعالية علاجية منخفضة، وضرب مثلاً عن مستحضر “السفترياكسون 1 g”، عند حلّه بالماء والحصول على لون أصفر فإن ذلك دليل على فعاليته، أما إذا كان اللون أبيضاً فهو يعني عدم فعاليته، وهذا ما حصل بالنسبة للدواء من منشأ صيني.

والعكس صحيح في أدوية أخرى، فمستحضر “روسيف” المنتج من قبل شركة الشفا السورية كانت فعاليته العلاجية ممتازة، ولكن انخفضت فعاليتها نتيجة تخفيض نسبة المادة الفعالة بهدف الحفاظ على سعره.

صناعة الأدوية في سوريا قبل الثورة وخلالها.

قبل اندلاع الثورة السورية كان سوق الأدوية في سوريا يعتمد على التصنيع المحلي المرخص من وزارة الصحة السورية، أو عن طريق الاستيراد من قبل مؤسسة التجارة الخارجية بطلب من وزارة الصحة، والاستيراد يقتصر على الأدوية التي لا يمكن تصنيعها في شركات الأدوية السورية، كالمستحضرات الهرمونية، وهذا القسم يخضع للرقابة الدوائية من الوزارة، بحسب ما ذكر الصيدلاني عدنان الحلاق، صاحب مستودع أدوية في إدلب في حديث خاص مع “الصوت السوري”.

وبحسب الحلاق “تراجع إنتاج الأدوية بشكل كبير خلال الأزمة في سوريا، وأغلقت بعض الشركات الدوائية، كشركة دومنا في الغوطة الشرقية، وعمريت غرب حلب، فيما تعمل بعض الشركات بشكل متقطع نتيجة وقوعها في مناطق الاشتباكات كمعامل الأدوية في منطقة المنصورة بريف إدلب”.

ولعب قصف الطيران السوري دوراً في خراج عدد من معامل الأدوية، حيث خرجت خلال الشهرين الماضيين أكثر من شركة دوائية عن العمل، لعلّ أهمها شركة دلتا، وهي من أضخم شركات صناعة الأدوية في سوريا، نتيجة الاستهداف المباشر من الطيران الحربي، وفق ما ذكر الحلاق.

ورغم تقطيع أوصال الأرض السورية بين النظام والمعارضة إلا أن بعض المستحضرات الدوائية السورية لا تزال تدخل من مناطق النظام إلى أراضي المعارضة، ولكن ما يدخل لا يلبي احتياجات مناطق المعارضة، وسط غياب 50 نوع دوائي، وهو ما يبرر استيراد الأدوية عن طريق المعابر الحدودية مع تركيا.

وبحسب وزارة الصحة التابعة للنظام، فأن عدد معامل الأدوية التي تعمل في سوريا 93 معملاً خرج منها نحو 19 معملاً بسبب لكونها في مناطق ساخنة وتتوزع معامل الأدوية السورية في بين شمال سوريا ووسطها حيث أن 40% من تلك المعامل في حلب وإدلب  و60% منها في حمص ودمشق