يشهد ريف درعا الشمالي عودة مئات العائلات إلى قراهم ومنازلهم، وتسبب ذلك بتحرك العجلة الاقتصادية والعمرانية فيه، كأحد نتائج “أستانة” وما نتج عنها من هدوء في مناطق المعارضة بريف درعا، إلا أن مخاوف بدأت تعتري أهل الريف الشمالي جراء تصعيد النظام على الجنوب السوري.

حيث تعرضت مدينة طفس بريف درعا الغربي، اليوم الإثنين، لقصف من الطيران الحربي السوري، أسفر عن مقتل 9 مدنيين، وإصابة العشرات بجروح، وسط تصعيد عسكري للنظام ومحاولات في التقدم، وفق ما أفاد مراسل “الصوت السوري” في درعا.

وكانت درعا قد تعرضت أمس الأحد لأعنف عملية قصف جوي، حيث تعرضت نقاط في درعا وريفها لاكثر من 20 غارة جوية، و 50 برميل متفجر، و75 صاروخ أرض أرض، بحسب ما ذكر ناشطون.

وإن كان تصعيد النظام على ريفي درعا الشرقي والغربي، بينما عودة العائلات إلى الريف الشمالي، إلا أن المدنيين يبدون تخوفهم من عودة القصف الجوي، لا سيما أن النظام جلب حشوداً عسكرية إلى مثلث الموت شمال درعا، (نقطة الوصل بين محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق)، وفق ما ذكر أبو همام، رئيس المكتب الإعلامي لمدينة إنخل.

ويعتقد أبو همام أن النظام يهدف إلى استعادة المناطق التي خسرها، وأن حملته قد تطال كافة مناطق المعارضة في درعا وليس المناطق القريبة من أحياء مدينة درعا، حيث تدور رحى معركة “الموت ولا المذلة” بين النظام والمعارضة.

ويضاف إلى مخاوف المدنيين “عدم احترام النظام للقوانين الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وعدم اكتراثه بالمدنيين بغض النظر بعدهم أو قربهم من مناطق الاشتباكات” بحسب ما قاله محمد علي، أحد المدنيين الذي نزح من ريف درعا الشمالي وعاد إليها.

وكانت “الهجرة العكسية” إلى ريف درعا الشمالي قد بلغت ذروتها بعد دخول اتفاقية “خفض التوتر” المبرمة بين النظام والمعارضة بضمانة تركية روسية مطلع أيار/ مايو الماضي، ورافق عودة الأهالي حركة اقتصادية وعمرانية في المنطقة.

أبو سليمان، مدرس لغة إنجليزية، يبلغ 35 عاماً وأب لأربعة أطفال، عاد إلى بلدته بريف درعا الشمالي قبل ثلاثة أسابيع، بعد أن كان نازحاً في مناطق سيطرة النظام بدرعا.

وعزا أبو سليمان عودته لجملة من الأسباب سردها لمراسل “الصوت السوري” وهي “غلاء إيجارات المنازل، الخوف من عمليات التجنيد للخدمة الاحتياطية، وكان السبب الأهم هو توقف القصف وإطلاق النار، فالغارات والبراميل كانت سبباً في نزوحنا”.

ورغم أن الظروف الاقتصادية في المناطق المحررة سيئة نسبياً، إلا أنها في تحسن، ويأمل أبو سليمان مع اتفاق “خفض التوتر” أن تتحرك عجلة الاقتصاد بشكل أكبر، وتعود الناس لحياتها الطبيعية.

أبو مهدي، صاحب مطعم في مدينة إنخل، قال لمراسل “الصوت السوري” أنه “كان يحضر من 5 إلى 6 كيلو غرام من الشاورما يومياً، ولكن خلال الشهور الستة الماضية تجاوزت الكمية 14 كيلو غرام، فضلاً عن ارتفاع الطلب على الدجاج المشوي بنسبة 3 أضعاف تقريباً”.

وبحسب أبو مهدي فإن ريف درعا الشمالي شهد هدوءاً نسبياً منذ مطلع العام الجاري، أي بالتزامن مع أول مؤتمرات أستانة، والحياة تغيّرت عن العام الماضي كليّاً، ولكنها لا يمكن مقارنتها بما قبل الثورة.

وعلى بعد 6 كيلو متر من مدينة إنخل، عاد الشاب مصطفى إلى مدينته “جاسم” بعد اتفاقية “خفض التوتر” وكان يقيم في إحدى مخيمات الشريط الحدودي مع فلسطين.

يقول مصطفى لـ”الصوت السوري” “قررت الهروب من معاناة المخيمات والعودة لترميم منزلي وإصلاح النوافذ والأبواب بعد هدوء مدينته”، مؤكداً أن “الحركة في مدينته تعافت اقتصادياً ويقوم أهلها بترميم منازلهم”.

وبهذا الصدد، أكد فادي الريابي، عضو المجلس المحلي في مدينة إنخل لـ”الصوت السوري” أن “ظاهرة عودة الحياة إلى المناطق المحررة بدأت مطلع العام الجاري بعد هدوء ريف درعا الشمالي”.

وبحسب الريابي “عاد إلى مدينة إنخل خلال الشهرين الماضيين أعداد كبيرة من النازحين، ووصل عدد العائلات في المدينة نحو 5 آلاف عائلة منهم 500 عائلة نازحة، بينما كان عدد العائلات المتبقية فيها أواخر العام الماضي 2000 عائلة”.

وأشار الريابي إلى أن العائلات العائدة إلى إنخل قادمة من مخيم الزعتري في الأردن، ومناطق النظام، والمخيمات الحدودية التي كانت أكثر أماناً.

ومن جهته قال رئيس المكتب الإغاثي التابع للمجلس المحلي في قرية سملين لـ”الصوت السوري” أن “القرية استقبلت 315 عائلة منذ مطلع العام الجاري، بعد أن كانت القرية شبه خالية من سكانها نتيجة القصف الشديد عليها”.

شكّل ارتفاع أعداد العائلات العائدة إلى الريف الشمالي، وتصعيد النظام الأخير على ريفي درعا الشرقي والغربي، وأحياء المدينة “المحررة” إرباكاً للمجالس المحلية، ورفع من مسؤولياتهم.

وبحسب الرفاعي رئيس المكتب الإغاثي للمجلس المحلي في قرية سملين، فإن “المجلس يقدم مادة الخبز ويقوم بإصلاح ما يمكن إصلاحه من شبكات المياه للعائدين”.

وهو ما يقوم به المجلس المحلي في إنخل، حيث يقدم ربطة خبز واحدة لكل فردين، وارتفاع أعداد العائلين شكل عائقاً أمام المجلس في تقديم خدماته على أكمل وجه، وفق ما ذكر المجلس.

يذكر أن جبهات محافظة درعا كانت الأكثر هدوءاً في سوريا بين النظام والمعارضة، فيما كانت تشتعل جبهاتها في حوض اليرموك مع “جيش خالد بن الوليد” المبايع لتنظيم داعش، وفي منتصف شباط/ فبراير الماضي أطلق الثوار معركة “الموت ولا المذلة” داخل درعا المدينة.