يعاني أهالي محافظة إدلب، شمال سوريا، من صعوبة تخزين طعامهم اليومي، لا سيما في فصل الصيف، نتيجة انقطاع التيار الكهربائي “النظامي” منذ خروج إدلب عن سيطرة النظام السوري، ما دفعهم إلى إحياء طرق تقليدية في حفظ الطعام استخدمها أجدادهم.

تحولت “الثلاجات” في إدلب إلى “خزانة” فقدت قيمتها الحقيقية، وأصبحت أشبه بـ”الخزائن” القديمة المستخدمة في سوريا ويطلق عليها (الشعرية، النملية) وهي عبارة عن خزانة لها أبواب مغلقة بشباك ناعمة تسمح بمرور الهواء إلى داخلها، وتحمي الطعام من الحشرات، وتطيل في عمره حتى لا يتعفن بسرعة.

عاد أهالي إدلب إلى ما قبل ظهور “الثلاجة”، باتباع الطرق التقليدية للأطعمة، كتعريضها للهواء عن طريق ربطها بأسقف المنازل بمكان معرض للهواء.

عبد الرحيم الطير، أحد سكان كفرعويد بريف إدلب الجنوبي، انقطع التيار الكهربائي عن منزله قبل 4 سنوات، وفق ما ذكر لـ”الصوت السوري”.

يقول الطير “نعاني من فساد بعض الأطعمة بشكل سريع كاللبن والحليب والطعام المطبوخ، فلجأنا إلى تعليقه في أسقف المنزل لتعريضه للهواء وإطالة صلاحيته”، مشيراً أن هذه الطريقة “مستخدمة في سوريا قبل استخدام الثلاجات”.

تعليق الفائض من الطعام أمام المنزل حتى لا يفسد

“أما اللحوم يتم طبخها وحفظها في (مرطبانات) وتفريغها من الهواء وإغلاقها بشكل محكم، لاكتساب فترة صلاحية أكثر” وفق ما ذكر الطير لـ”الصوت السوري”.

وأضاف الطير “غياب وسائل حفظ الأطعمة دفع أغلب العائلات إلى تقليص مقادير الطبخ، وإعداد وجبة تكفي العائلة ليوم واحد حتى لا يقعوا في مشكلات حفظ الفائض بالطرق التقليدية، وهذا يتنافى مع عادات العائلات الريفية في سوريا التي تعدّ وجبات الطعام بكميات كبيرة تكفي لأكثر من يوم”.

من جانبه يقول حسين السعيد، أحد سكان ريف إدلب الجنوبي لـ”الصوت السوري” أن “عدم قدرته على تخزين المواد الغذائية منعه من استخدامها إلا في موسمها، على غير ما تعوّد عليه الشعب السوري المشهور بتخزين عشرات الأصناف من الأطعمة لاستخدامها في غير موسمها”.

ورغم وجود طرق بديلة لاستجرار الكهرباء، كتوليدها من طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية، إلا أنها غير كافية لتخديم المنازل على مدار 24 ساعة، فضلاً عن أن شريحة كبيرة من أهالي إدلب لا يملكون ثمن شراء أساسيات توليد الطاقة الكهربائية.

وبحسب مراسل “الصوت السوري” فإن تكاليف شراء مولدة كهربائية تتراوح بين 300 و 800 دولار أمريكي للمنزل الواحد، وهي لا تكفي إلا لتشغيل بعض الأجهزة الكهربائية لساعات محدودة من 5 إلى 15 ساعة يومياً,

وفي حديث لمراسل “الصوت السوري” مع السيد باسم أبو علي، صناعي يعمل في مجال الكهربائيات، قال “قدمت الطاقة البديلة حلولاً جزئية لتشغيل بعض الأجهزة الضرورية ومنها آلات التبريد، ولكن لا يمكن تشغيل الثلاجة المنزلية أكثر من 8 ساعات يومياً وهذه المدة غير كافية لحفظ الأطعمة بالطريقة الصحيحة”.

ونوّه أبو علي إلى دخول ثلاجات بأحجام مختلفة إلى إدلب تعمل على استطاعة قليلة، ويبلغ صرف الثلاجة شهرياً واحد أمبير، مما يمكن صاحبها تشغيلها لنحو 15 ساعة متواصلة، وتعدّ أحد الحلول في حفظ الأطعمة المستخدمة يومياً، ولكنها غير منتشرة لضعف القوة الشرائية لدى سكان المنطقة.

وانعكس انقطاع التيار الكهربائي على تجارة المواد الغذائية “المبردة”، لأنها تحتاج إلى مولدات كهربائية ضخمة، ومبالغ كبيرة لتشغيلها، فضلاً عن تأثر المدنيين بتخزين الطعام أو ما يعرف بـ”المؤونة” لاستخدامه في غير موسمه.

رامي أبو أحمد، تاجر من ريف إدلب الجنوبي، قال لـ”الصوت السوري” أن “كثيراً من التجار استغنوا عن تجارة المواد الغذائية المبردة لارتفاع تكاليف تخزينها، بأسعار لا تتناسب مع دخل المواطن في إدلب”

وأضاف أبو أحمد “أكثر المتضررين من انقطاع التيار الكهربائي منتجي الألبان والأجبان من السكان المحليين، لأنهم يضطرون إلى بيع الحليب بثمن بخس للتجار لعدم قدرتهم على تصنيعها وحفظها”.

أما ما يعرف بـ”المؤونة” فاستغنى أهالي إدلب عن الأصناف التي تحتاج إلى “تبريد” ولجؤوا إلى طرق قديمة.

وتنتشر في إدلب حالياً طرقٌ بدائية كالتجفيف في الهواء، أو تعريض المواد لأشعة الشمس كطرق طبيعية لحفظ الأغذية، وإبطاء الفساد الطبيعي لها، وانعدمت “المؤونة” المعتمدة على “التبريد”.

وتعتمد عملية حفظ الأغذية من خلال التجفيف على خفض درجة رطوبة المواد الغذائية، ورفع نسبة ما تحتويه من مواد صلبة إلى الحد الذي يجعل المادة الغذائية المراد حفظها غير صالحة لنمو معظم الأحياء الدقيقة المسؤولة عن فسادتها، حيث تنخفض نسبة الرطوبة في الخضراوات المجففة إلى 4 أو 6%، وفي الفواكه إلى 20 أو 25%، وفق ما ذكرت الدكتورة رهام الآغا، أخصائية في التقانة الحيوية والتغذية لـ”الصوت السوري”.

وأضافت الدكتورة الآغا أن حفظ الأغذية بالتجفيف يحمل بعض السلبيات، وهي فقدان المواد المجففة بعض الصفات الحسية وجزءاً من قيمتها الغذائية، والتغير في لونها، واكتساب الأطعمة المجففة طعماً غريباً، فضلاً عن أن مدة حفظ الأغذية بالتجفيف أقل من طرق الحفظ الأخرى، لا سيما في المناطق التي ترتفع فيها نسبة الرطوبة.

يذكر أن سوريا عُرفت على مدار العقود الماضية باستخدام شعبها لـ”المؤونة” وتجارتها، وكانت تجارة المواد “المحفوظة” من التجارات الرائجة في سوريا والعابرة لـ”الحدود” كتجارة الفول والبازلاء “المبرد”، والفواكه المجففة.