عبد الله همام – عمار حمو

اشتهرت الغوطة الشرقية خلال سنوات حصارها بـ”التكيف” مع ظروف الحصار، وإيجاد بدائل لدفع عجلة الحياة إلى الأمام، وكان آخرها وأهمها “التكيف الزراعي”، فأصبح أهالي الغوطة يأكلون ثماراً ما كانت تُزرع في أرضهم قبل سنوات الحرب.

لا ينفك ارتباط “الغوطة الشرقية” عن أشجارها وبساتينها في أذهان من سمع أو قرأ عنها، فهي من أهم السلال الغذائية في سوريا، ورافد أساسي للعاصمة دمشق بالمنتجات الزراعية، فضلاً أن سلتها الغذائية ساهمت في كسر الحصار الذي فرضه النظام في أيلول/سبتمبر 2012 عليها، بعد سيطرة المعارضة السورية.

وكانت الغوطة الشرقية لا تُنتج أصنافاً زراعية لعدم وجود بيئة مناسبة لها، أو لتوفرها في مناطق زراعية أخرى في سورية وتصل إلى الغوطة بأسعار أقل من إنتاجها محلياً، إلا أن الحصار وانقطاع دخول تلك الأصناف، لا سيما ذات القيمة الغذائية العالية دفع المنظمات المهتمة بـ”القطاع الزراعي” والفلاحين المحليين إلى التكيف مع الحصار وإنتاج أصناف زراعية تعوض المدنيين القيم الغذائية المفقودة جراء الحصار.

إنتاج التمور

غريبٌ أن تُنتج الغوطة الشرقية تموراً، فأرضها لا تصلح لذلك، حسب ما هو شائع، ولكن الحقيقة أنها كانت تصدّر تموراً إلى المدينة المنورة “أم التمور” قبل 200 عام، وفق ما ذكر أبو عبد الرحمن بويضاني، مختص بتطوير الزراعة في الغوطة الشرقية، وصاحب فكرة زراعة النخيل والعناية بها.

“أبو عبد الرحمن” صاحب فكرة زراعة وتطوير  النخيل

بدأت علاقة “البويضاني” مع أشجار النخل قبل 15 عاماً، وكان على نطاق شخصي، حيث يشتري أشجار النخل من مشاتل الحكومة السورية، ويبيعها في مشتله (مكان لبيع شتلات الورود والأشجار)، إلا أنها كانت لا تثمر لسببين: الأول أن بعضها كان من نوع نخل الزينة، والثاني أن الدولة كانت لا تبيع إلا “الذكور” من الشجر.

في عام 2015، بعد اشتداد الحصار على الغوطة الشرقية، بدأ “البويضاني” بالعمل على تطوير زراعة التمر، وتوسيعها، ونشر ثقافتها بين الفلاحين، معتبراً أنها من “الزراعات الاستراتيجية، باعتبارها من الأشجار المعمرة، وتحتوي ثمارها على السكريات والفيتامينات والمعادن” وهذه قيم غذائية فقدتها الغوطة في سنوات الحصار.

يقول “البويضاني” لمراسل “الصوت السوري” في الغوطة الشرقية “كانت البداية جيدة، عملت في المرحلة الأولى على الاهتمام بأشجار النخيل الموجودة في الغوطة، وترميمها، وزراعة أشجار نخل جديدة وتوعية الفلاحين والمدنيين لضرورة زراعتها”.

“أبو عبد الرحمن” يعتني بإحدى أشجار النخل في دوما 

وفي عام 2016 بدأ أهالي الغوطة لأول مرة يأكلون من تمور “الأرض المحاصرة”، وكان يباع الإنتاج الزراعي بكميات بسيطة، ولكن إنتاج التمور أخذ يتحسّن، حيث بلغ إنتاج الغوطة الشرقية من التمر لهذا العام بين 8 إلى 10 طن، وفق ما ذكر “البويضاني”.

ومن وجهة نظر “البويضاني” فإن إنتاج الغوطة من التمور جيدٌ إذا ما قورن بظروف ببلد محاصر لا يستطيع إدخال هذه المادة الضرورية، وإن تمكن التجار إدخالها عن طريق النظام يصل سعر كيلو الغرام الواحد نحو 1800 ليرة سورية (3.60 دولار أمريكي تقريباً)، مؤكداً أن جودة منتج الغوطة أفضل من القادم عن طريق النظام وكلفته زهيدة.

وفي هذا الصدد، قال أبو أحمد، صاحب بستان فيه نخلة لـ”الصوت السوري” “ظننت أن النخلة الموجودة في بستاني للزينة، معتقداً ان النخل لا يثمر في بلادنا، وكان اهتمامي متوجه لزراعة الخضروات”.

وأضاف أبو أحمد “سمعت عن عمل أبو عبد الرحمن البويضاني في ترميم النخل، فدعوته لمعاينة النخلة، وعلمني كيف أعتني بها، ومن ثم لقحناها في الربيع، وحالياً يقدر ثمرها بنحو 300 كيلو غرام”.

زراعة الفطر:

ثقافة الفطر هي الأخرى لم تكن موجودة عند الفلاح “الغوطاني”، حيث صرف اهتمامه إلى زراعة أصناف أخرى، أو تربية البقر وإنتاج الحليب ومشتقاته، ولكن الحصار ألزم العاملين بقطاع الزراعة إلى تجربة زراعة الفطر رغم أنها مكلفة وخاسرة أحياناً، ولكنها تضيف تنوعاً في سلة غذاء الغوطة، وقيمة غذائية مهمة لمنطقة محاصرة.

صورة تظهر طريقة زراغة الفطر في الغوطة الشرقية

ويبلغ سعر الكيلو غرام من الفطر في الغوطة الشرقية نحو 1500 ليرة سورية (3 دولار أمريكي) وهو رخيص نسبياً مقارنة مع أسعار اللحوم، وما يحتويه من عناصر غذائية هامة.

الفطر نبات مثمر  من فصيلة “الفطريات”، يستخدم بديلاً عن اللحوم لاحتوائه على البروتين، لذلك يطلق عليه “لحم الفقراء”، فضلاً عن احتوائه على ألياف وسكريات تمكن الجسم من الاحتفاظ بقوته وبنيته، ويحتوي أملاحاً مفيدة في بناء الخلايا.

اهتمت منظمات في الغوطة الشرقية بمشاريع نشر زراعة الفطريات، وتطويرها لتأمين بديل غذائي للمحاصرين في الغوطة الشرقية في ظل غلاء سعر اللحوم، وبهدف تأمين فرص عمل جديدة، وفق ما ذكر المهندس أبو يزن، مدير مشاريع مؤسسة عدالة لـ”الصوت السوري”.

ومشروع زراعة الفطر الذي تشرف عليه “مؤسسة عدالة” هو مشروع خيري تنموي، يوزع المنتج مجاناً على المرضى والجرحى وذوي الاحتياجات الخاصة، فضلاً عن تزويد جزء من الإنتاج لمركز طبي تخصصي بأذيات النخاج الشوكي للمساعدة في علاج المرضى، وفق ما ذكر أبو يزن.

ونوّه المهندس أبو يزن في حديثه لمراسل “الصوت السوري” إلى أن مؤسسة عدالة تنتج 1000 كيلو غرام أسبوعياً من الفطر.

من جانبه، أوضح الدكتور أحمد أبو ليلى، المدير العلمي في مركز نواة، وهي إحدى الجهات المهتمة في زراعة الفطر وتطويرها بأن بداية زراعة الفطر تعود إلى عام 2014، حيث بلغ الحصار ذورته.

وبحث المركز عن إيجاد بدائل زراعية في الغوطة الشرقية، ومن خلال البحث تبين أن الغوطة غنية بالفضلات الخشبية، وهي مناسبة جداً لإنتاج الفطر، حيث يمكن خلال إنتاج الفطر تحويل الطاقة المخزنة في الخشب وأي مادة سلولوزية من أصل نباتي إلى مصدر غذائي بديل، يعوض عن نقص البروتين لا سيما مع نقص اللحوم.

استغرق العمل نحو عامين من التطوير، أجرى مركز نواة جولات بحث ميدانية في الحقول، إلى أن تمكن من الحصول على فطور قابلة للأكل، وبدأ بتحويل ثمرة الفطر الموجودة في الغوطة إلى بذار، وحصد المركز أول نتيجة نهاية عام 2015.

ولفت الدكتور “أبو ليلى” إلى أن الحصول على أول نتيجة جاء بعد 300 تجربة، حيث تم الحصول على سلالة جيدة من نبات الفطر، وبعد استقرار العمل على أول سلالة، بدأ المركز بالتدريب على هذه الزراعة والعمل على تطوير سلالات أخرى.

وتعاون مركز نواة مع بعض المدارس لتقديم دورات في زراعة الفطر المنزلية، حتى يستعين الناس بها لحظات الحصار الشديد، حيث يمكن استثمار فضلات المنزل الخشبية لزراعة الفطر بدلاً من رميها، وتمكن المركز من استهداف 1000 عائلة في زراعة الفطر المنزلية، بحسب الدكتور ابو ليلى.

ووزع مركز نواة نحو 1666 سلة زراعة فطر على المستهدفين من حملة التوعية في المدارس، رافقها حملات توعية بزراعة الفطر ونشر  ثقافة الاكتفاء الذاتي، فضلاً عن تقديم ورشات تدريبية.

وتواجه زراعة الفطر في الغوطة الشرقية جملة من التحديات، منها صعوبة توفير الطاقة الكهربائية والمحروقات، وارتفاع درجات الحرارة، وتعرض أماكن زراعة الفطر للقصف، حيث حاولت مؤسسة عدالة اختيار أماكن أكثر أمناً هرباً من القصف، وانتقل مركز نواة من مكان لآخر للسبب ذاته.

زراعة البطاطا:

البطاطا من الأصناف الغذائية الملائم زراعتها في الغوطة الشرقية، إلا أن فلاحي الغوطة الشرقية توجهوا إلى زراعة الشجر المثمر كالعنب والزيتون والمشمش، وزراعة الكلأ لرعي المواشي، وأهملوا زراعتها، لأسباب عدّة منها أن زراعة البطاطا قبل اندلاع الثورة السورية كانت لا تدرّ أرباحاً لفلاحي الغوطة مقارنة بغيرها من الأصناف.

وشهد هذا العام اهتماماً بزراعة البطاطا، لندرة وجودها في الغوطة بسبب الحصار، وحقق زراعتها نجاحاً كبيراً من حيث الجودة والكم، حيث تنتج مزارع مدينة دوما وما حولها نحو 10 طن يومياً، خلال أيام الموسم (موسم البطاطا في الغوطة 3 شهور).

ويتراوح وزن حبة البطاطا الواحدة من 800 إلى 1200 غرام، وتزيد جودتها عن البطاطا التي كانت تستوردها الغوطة، إلا أن سعرها لا يزال مرتفعاً رغم زراعتها محلياً، بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وقلة توفر بعض المواد اللازمة كالأسمدة والمبيدات الحشرية والمحروقات اللازمة لاستخراج المياه.

المهندس الزراعي مصطفى الطبجي، مدير المكتب الزراعي الهندسي في مؤسسة دارنا الخيرية، قال لمراسل “الصوت السوري” أن “زراعة البطاطا مكلفة جداً، حيث تقدر تكلفة بذار البطاطا للدونم الواحد بـ 100 ألف ليرة سورية (200 دولار أمريكي)، عدا باقي التكاليف اللازمة لإتمام عملية الزراعة”.

وعزا ارتفاع سعر البطاطا إلى عدم وجود سلطة زراعية ذات توجيه موحد، وانتشار الزراعة الفردية، فضلاً عن شدة الطلب على “البطاطا” باعتبارها مادة مغذية ، ورغم إنتاج الغوطة الجيد “نسبياً” إلا أنها لا تسد حاجة سكان الغوطة الشرقية.

وفي سبيل دعم زراعة البطاطا، قال الطبجي لـ”الصوت السوري” أن “مؤسسة دارنا قدمت دعماً لأربعين فلاح لزراعة البطاطا، ويكفي الدعم نصف دونم للفلاح الواحد، يحصل على بذار وحرث وسماد”.

أحد أسواق الخضار في الغوطة الشرقية

وتكتسب البطاطا أهمية غذائية باعتبارها غنية بالطاقة والنشويات، وبديل عن الخبز، ورديفة لمادة القمح، أي أنها بديل لأهم الأصناف الغذائية في الغوطة، لا سيما أن سكان الغوطة الشرقية عانوا في ذروة الحصار عام 2014 من نقص مادة القمح، ما دفعهم إلى استخدام الشعير وعلف الأبقار لصناعة الخبز.

أصناف أخرى تزرعها الغوطة

الأصناف الثلاثة التي ذكرناها (التمور، الفطر، البطاطا) تضاف إلى أصناف أخرى زرعتها الغوطة للتغلب على حصارها، منها حبة البركة (الحبة السوداء)، السمسم (ويستخدم لصناعة الطحينية واستخراج الزيت)، واليانسون حيث يزرع لتغذية النحل.

تحديات تواجه القطاع الزراعي في الغوطة

وعلى الرغم من الجهود المبذولة في القطاع الزراعي بالغوطة الشرقية من الفلاحين والمنظمات الداعمة لهم، إلا أن الحصار لعب دوراً كبيراً في اضطراب الزراعة في الغوطة، والتي تشتهر تاريخياً بالزراعة.

ومما أضرّ في القطاع الزراعي قطع الأشجار منذ بدء الحصار، لاعتماد المدنيين عليه في التدفئة، وكذلك منع دخول الأسمدة والمبيدات المهمة مما ساهم في خفض كمية الإنتاج، فضلاً عن التطورات العسكرية في الغوطة الشرقية.

وكانت الغوطة الشرقية قد خسرت سلتها الغذائية المتمثلة بـ”القطاع الجنوبي” في شهر أيار/مايو 2016، بعد اندلاع اقتتال بين فصائل الغوطة الشرقية.

أبو صبحي، أحد كبار الفلاحين في الغوطة الشرقية، قال لـ”الصوت السوري” “قبل 25 عاماً حوّل النظام مجرى الصرف الصحي إلى روافد نهر بردى التي تغذي الغوطة الشرقية بالمياه ما أدى إلى خسارة كثير من المحاصيل وضعف جودة الزراعة”.

وأردف أبو صبحي “مع بداية حصار الغوطة قطع النظام روافد بردى الثلاثة عن أراضي الغوطة الشرقية مما قلل منسوب المياه وتسبب في جفاف بعض الآبار وضحالتها في آبار أخرى”.

يبلغ عدد سكان الغوطة الشرقية في الوقت الحالي نحو مائة وعشرة  آلاف عائلة، أي خمسمائة وخمسون  ألف نسمة (عدد تقريبي)، بينما كان عدد سكانها وفق آخر إحصائية قبل اندلاع الثورة السورية نحو مليونين ومئتي ألف نسمة.