لم يتوقف الاعتداء في الحرب الدائرة بسوريا على الإنسان، فطال الاعتداء تاريخه وتراثه، فتعرضت المناطق الأثرية والمتاحف للقصف والتدمير ابتداءً، ومن ثم  عمليات النهب والسرقة والتنقيب العشوائي، كما حصل في مناطق أثرية عدة بمحافظة إدلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة شمال سوريا.

انتشرت ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار بكثرة مناطق المعارضة، وكان هذا العمل قبل الثورة السورية مقتصراً على جهات مختصة تتبع لسلطة الدولة، وتقوم بالتنقيب بشكل علمي ومدروس دون أن تلحق ضرراً بالآثار الشاهدة على الحضارات البائدة.

التنقيب بلا قيود أو رقابة

في ظل الحرب الدائرة في سورية، وحالة الفلتان الأمني في سوريا عموماً ومناطق المعارضة على وجه التحديد، وغياب الرقابة، وانعدام الضوابط التي تحمي الأملاك العامة في مناطق سيطرة المعارضة، لحق بالآثار السورية أضراراً بالغة نتيجة التنقيب الخاطئ بأساليب بدائية، أو بمعدات متطورة من أشخاص ليس لديهم علم بعلم الآثار، دفعهم إلى “التنقيب” الفقر والحاجة، وطمعاً بالثراء السريع الذي تحققه “اللقى الأثرية”، وفق ما ذكر الأستاذ أيمن نابو، عضو مركز الآثار في الشمال السوري لمراسل “الصوت السوري”.

عبد الرحمن، 30 عاماً، من قرى سهل الغاب، يعمل في مجال التنقيب والبحث عن الآثار منذ أكثر من سنتين، مستخدماً أجهزة حديثة وخاصة بكشف المعادن والتماثيل الأثرية، قال لمراسل “الصوت السوري” “نستخدم أجهزة مخصصة للبحث عن العملات والتماثيل المعدنية، ولهذه الأجهزة القدرة على كشف اللقى بعمق 70 إلى 100 سم في باطن الأرض، وتصدر تلك الأجهزة أصواتاً معينة، يشير كل صوت إلى نوع من أنواع المعادن”.

ووفق عبد الرحمن “لأجهزة الكشف أنواع عدة منها (الجي مكس) بثلاث مفاتيح، سعره 700 دولاراً أمريكياً، (الجولد مكس) بأربع مفاتيح سعره 900 دولاراً أمريكياً، و(الكد مكس) أو ما يعرف بصائد الذهب وسعره 1000 دولار”.

ورغم أن قانون الآثار السوري، الصادر بالمرسوم التشريعي (222) تاريخ 26/10/1963، ذكر في المادة (4) أن جميع الآثار الثابتة والمنقولة والمناطق الأثرية من أملاك الدولة العامة، وفي المادة (42) السلطات الأثرية وحدها صاحبة الحق في القيام بأعمال الحفر والسبر أو التحري في الجمهورية العربية السورية ولا يجوز لأي فرد أن يقوم بالتنقيب في أي مكان حتى ولو كان ملكاً له، إلا أن المناطق الخاضعة للمعارضة تشهد “حركة متزايدة” في التنقيب لعدم وجود جهة رقابية، أو قوانين تجرّم “المنقبين”، وفق ما ذكر عبد الرحمن”.

من جهته قال القاضي مصطفى الرحال، قاضي المعاملات المدنية والمالية في الهيئة الإسلامية، وفي محكمة جيش الفتح لـ”الصوت السوري” “الآثار عرفت عند جمهور الفقهاء باسم (الركاز) وهو ما دفنه أهل الجاهلية، وشرعاً فإن الركاز أربعة أخماسه لواجده، والخمس الباقي لبيت المال أو للصالح العام”.

وأضاف القاضي الرحال “التنقيب اليوم في التلال والمناطق الأثرية لا يجوز إلا بموافقة المجالس المحلية، كي تشرف على عملهم وتأخذ الخمس لبيت المال، ولا يجوز التنقيب والحفر في الأملاك الخاصة إلا بموافقة أهلها”، مشيراً إلى “عدم وجود رقابة على التنقيب لأن الأصل فيه أنه مباح”.

تصريف الآثار واللقى الأثرية

تتفاوت أسعار القطع الأثرية حسب عمرها الزمني ونوع معدنها، ولكن معظم القطع التي تقع بين أيدي “المنقبين” عبارة عن قطع نقدية تعود لحضارات متنوعة، وتباع القطعة النقدية بحدود 100 دولار أمريكي، أما القطع الذهبية تباع بمبالغ أكبر، أما النحاسية منها تباع بمبالغ زهيدة، ويجني العامل في التنقيب عائداً شهرياً يتراوح بين 300 دولار إلى 500 دولار أمريكي، وفق ما ذكر عبد الرحمن.

يعاني “المنقبون” في تصريف اللقى الأثرية، ويتعرضون في بعض الأحيان لعمليات النصف والسرقة، أبو طارق، تاجر آثار في ريف إدلب الجنوبي، قال لـ”الصوت السوري” “نتعامل مع تجار في لبنان، نقوم بتهريب القطع الأثرية لهم، ومن لبنان يتم بيعها لمتاحف ومهتمين بالآثار في أوروبا، ويتم الشحن عبر تركيا عن طريق تجار وسماسرة”.

أضرار التنقيب العشوائي:

التنقيب العشوائي يضاف إلى الانتهاكات التي تعرضت له المواقع الأثرية في سوريا، ويأتي بالمرتبة الخامسة بعد القصف، والتجريف، وتكسير الحجارة الأثرية، وزحف العمران، ولكنه في بعض الأحيان يتصدر مراتب الانتهاكات إذا كان في المواقع الطينية التي تعود للألف الثالث قبل الميلاد، إذ أن التنقيب العشوائي فيها يؤدي إلى انهيار الجدران الطينية، وفق ما ذكر الأستاذ أيمن نابو، عضو مركز الآثار في الشمال السوري لـ “الصوت السوري”.

ونتيجة للظروف التي يعيشها الشمال السوري “المحرر” يقتصر دور مركز الآثار على التوعية، والتواصل مع المجتمع المحلي في سبيل حماية الآثار، والحدّ من التنقيب العشوائي.

ويتواصل المركز مع الجهات المعنية في المنطقة لإيجاد آلية محددة لحماية المواقع الأثرية وحمايتها، وحقق المركز بعض الخطوات الملموسة في صياغة قواعد قانونية يمكن للمحاكم أن تستند إليها في موضوع الآثار، ولكن حتى الآن لم يتم تطبيقها.

تعرض قطاع الآثار والسياحة لانتهاكات كبيرة من جميع الأطراف المتنازعة في سوريا، فاستهدف النظام السوري آثار البارة، وشنشراح، ومتحف مدينة معرة النعمان بالغارات الجوية، ما أدى إلى تدمير متحف المعرة منتصف عام 2015.

فيما دمّر تنظيم “داعش” مواقع أثرية في مدينة تدمر بعد سيطرته على المدينة في أيار2015، حيث فجر قوس النصر الأثري في تدمر، ومعبد بعل شمين الذي يعود تاريخ إلى ألفي عام مضت.

4fd0754a-56d7-462c-bd83-f73779202a0e a7aaadce-0fd4-4623-9245-c384ea6e8905 dd2a3c77-e643-4737-9344-86e7d2e8cb7d

6e5e1bfb-307d-43f8-8c95-dd3fee30b4f7 13eec35f-bdcc-4ad4-bb93-7e040c95c532 845fbf86-25d5-403c-8435-038a0c52ce81 4050a074-920b-42c2-98e9-31e71ae5a7ff