لجأ الطلاب المنقطعون عن التعليم الجامعي في المناطق “المحاصرة” الخارجة عن سيطرة النظام السوري إلى “التعليم الافتراضي”، أو ما يعرف بـ “التعليم عن بعد”، أملاً في مواصلة التعليم بعد انقطاعٍ دام لأربعة أعوام في بعض المناطق كالغوطة الشرقية.

التعليم عن بعد، واحد من طرق التعليم المتبعة في عدد من الجامعات العربية والعالمية، إلا أن الاعتراف به يتفاوت من دولة لأخرى، ويعدّ آخر الخيارات أمام الطلبة الجامعيين، إذ أن التحصيل العلمي فيه أقل من التعليم المنتظم، لا سيما في التخصصات العلمية والعملية.

المحاصرون يجدون في “التعليم الافتراضي” بديلاً مناسباً

التعليم الافتراضي هو “أمل” بعض الطلبة المنقطعين، الذين منعهم الحصار أو الملاحقة الأمنية من الوصول إلى جامعاتهم لاستكمال تعليمهم الجامعي.

حسام، طالب هندسة في جامعة دمشق، منعه الحصار الذي فرضه النظام على الغوطة الشرقية أواخر 212 من الوصول إلى جامعته، وتوقف تخرجه على مواد عدّة، وجد في التعليم الافتراضي الوسيلة الوحيدة لمواصلة تعليمه، ولكن بتخصص آخر.

اختيار حسام لتخصص مغاير عن تخصصه الأصلي، لأن التعليم الافتراضي لا يغطي كل الاختصاصات الجامعية، وتحديداً العلمية، إذ أنها تحتاج لمختبرات وتجارب لا يمكن تطبيقها عن بعد”.

أما عبد الرحمن، طالب من الغوطة الشرقية أيضاً، درس بجامعة تشرين في اللاذقية، تخصص إدارة أعمال، يقول لـ “الصوت السوري” “تركت دراستي لأعمل مسعفاً مع الجيش الحر في الغوطة الشرقية”.

ولكن عبد الرحمن وجد أن “قضية الشعب السوري” لا تتطلب من الجميع الانخراط في العمل العسكري، وأن حاجة الناس في مناطق المعارضة تتطلب تنوعاً في الاختصاصات من تعليم وخدمات وطبابة، فقرر العودة إلى التعليم، وكان “التعليم الافتراضي” هو الحل الأمثل لحالته.

صعوبات وتحديات

رافق اختيار “التعليم الافتراضي” مشكلات وتحديات عدّة، منها اعتماد التعليم على “الإنترنت” وسط تدهور في الخدمات بمناطق المعارضة، لا سيما المحاصرة منها، فضلاً عن الحالة الأمنية التي تعيشها تلك المناطق من قصف مستمر، وانقطاع للكهرباء، لينعكس ذلك على الطالب بشكل مباشر.

ومن تلك الصعوبات عدم قدرة الطلاب الجامعيين عن تأمين الرسوم الجامعية لـ “التعليم الافتراضي” رغم انخفاضها مقارنة بالتعليم العادي الخاص.

محمد رحّال، ناشط إعلامي من حي ديربعلبة بمدينة حمص، خرج إلى ريف حمص الشمالي بعد اقتحام قوات النظام السوري للحي أواخر عام 2012، لينقطع عن جامعته منذ ذلك الحين.

حاول محمد متابعة تعليمه في “جامعة افتراضية” ولكنه وصف تجربته بـ “الفاشلة”، يقول محمد لـ”الصوت السوري” “سجلت في دبلوم لثلاثة شهور مع أكاديمية الفرحة للإعلام الأسري، وبعد البدء اندلعت معركة بين النظام والمعارضة في ريف حمص، ما أثر على دراستي، وتجاوزت 3 مواد من أصل 8 فقط”.

وأضاف محمد “تكلفة الدراسة الافتراضية مرتفعة، وتفوق قدرات الشباب المحاصرين” مشيراً إلى أنه تمكن من تسديد رسوم تجربته الأولى، ولكن يصعب عليه تسديدها مرة أخرى وقد تبوء بالفشل كما حصل في التجربة الأولى.

وكان لـ يعرب الدالي، مراسل “الصوت السوري” في ريف حمص الشمالي، تجربة مع “التعليم الافتراضي” وصفها بـ “الصعبة”، يقول الدالي “انقطعت عن دراستي في جامعة البعث نتيجة الظروف الأمنية، وبعد بحث طويل عن جامعة افتراضية (مجانية)، أو تقدم خصومات ومنح جزئية، وجدت جامعة YALA الافتراضية”.

ولكن واجهت يعرب صعوبات تتمثل في اللغة، إذ أن التعليم باللغة الإنجليزية، فضلاً عن أسلوب التعليم المتبع في الجامعة، وعدم توفر “الإنترنت” بشكل دائم في ريف حمص الشمالي، ولكن لا تعليم عن بعد بلا إنترنت!.

جامعة رشد الافتراضية والمنح المشروطة:

قدمت جامعة رشد “الافتراضية” منحاً لتعليم الطلبة في سوريا، وبلغ عدد طلاب الغوطة الشرقية المنسبين إليها نحو 484 طالباً، من أصل 1845 طالب، غالبية الطلاب من الغوطة حاصلين على “منحة” من الجامعة.

وجاء في شروط المنحة للطلبة السوريين أن “يتبرع الطالب للجامعة بمبلغ 10 آلاف دولار أمريكي في أقرب وقت، وفي حال عدم توفر المال أن يستبدل الطالب ذلك بعمل تطوعي لمدة 1000 ساعة عمل لخدمة طلبة رشد”، علماً أن رسوم البكالوريوس في جامعة رشد هي 10 آلاف دولار أمريكي في الأربع سنوات.

وسعت جامعة رشد إلى التعاون مع بعض الجهات التعليمية في الغوطة الشرقية كمجموعة آمال التربوية إلى تأمين المحاضرات التفاعلية للطلاب، وتحميل المواد والمحاضرات المسجلة، والكتب والمراجع والملفات المرسلة من الجامعة لطلابها.

الأستاذ معتز، مسؤول التنسيق في مجموعة آمال التربوية، قال لمراسل “الصوت السوري” “بذلت المجموعة جهوداً كبيرة لحل مشكلة تواصل الطلاب مع الجامعة، وجعلت كل ما يحتاجه الطالب قريباً منه، حتى أنها توفر قاعة مجهزة بالإنترنت والكهرباء، تسهيلاً للطلاب من حيث المحاضرات وتقديم الامتحانات”.

التعليم الافتراضي ودوره في مناطق “الحصار”

وجد أهالي المناطق المحاصرة في الغوطة الشرقية وغيرها في “التعليم الافتراضي” فرصة للتعلم رغم الظروف “الصعبة، في وقت تُعدذ فيه الدراسة غاية في الصعوبة، وتفاوتت وجهات نظرهم في الفائدة العملية منها، لا سيما وسط غياب التخصصات العلمية كالطب والهندسة وغيرهما عن الجامعات الافتراضية.

منير عزّ الدين، مدير المكتب الإعلامي لمديرية تربية ريف دمشق “الحرة”، قال لـ “الصوت السوري” “التعليم الافتراضي ليس حلاً للحاجة الملحة للغوطة ولكن بديل للطلاب في مواصلة التعليم، فإذا لم نكسب الذهب لن نضيع الفضّة”.

أما وليد الآغا، ناشط إعلامي من جنوب دمشق “المحاصر”، وطالب في إحدى الجامعات الافتراضية، قال لـ”الصوت السوري” “أخالف الرأي لمن يقول لا فائدة مباشرة من تخصصات التعليم الافتراضي، صحيح أننا في المناطق المحاصرة بحاجة للكوادر الطبية ولكننا أيضاً بحاجة للنخب والكوادر المتخصصة في جميع التخصصات”.

وأشار الآغا إلى أن هجرة العقول والكوادر المؤهلة خارج البلاد، وتخلّي بعض من تبقى عن مسؤولياته جعل مناطق المعارضة، والمحاصرة على وجه التحديد، تفتقر لجميع التخصصات”.

يذكر أن الاختصاصات المتاحة في الدراسة الافتراضية لا تطابق بالضرورة دراسة الطالب السابقة، فإما أن يحالفه الحظ باختصاص يشابه اختصاصه الأصلي، أولا يكون كذلك، فالقرار هنا متعلق بقدرة الطالب على الترجيح بين الرغبة والخيار المتاح، فأحد الذين التقى بهم الصوت السوري كان طالب هندسة إنشائية ويدرس حالياً “علوم سياسية”.