بدأت ملامح مرحلة جديدة تتكشّف في محافظة إدلب، شمال سوريا، آخرها قرارات تركية بتقليص دخول المواد “غير الإنسانية” عبر معبر باب الهوى الذي يمثل شريان المنطقة، رافقها موجة شائعات تتعلق بوقف الدعم عن المنظمات العاملة في إدلب.

وساهم في نشر الأخبار المتعلقة بتوقف الدعم عن المنظمات والمؤسسات في إدلب، صدور قرارات رسمية حيال ذلك، منها قرار الحكومة السورية المؤقتة باعتبار العاملين فيها “متطوعين” منذ مطلع آب/ أغسطس الجاري، ومن قبله قرار مماثل لمديرية صحة إدلب الحرة.

وقال الدكتور جواد أبو حطب لـ”الصوت السوري” في وقت سابق، أن “سبب قرار الحكومة المؤقتة التطورات في إدلب وامتناع الكثير من المانحين عن الدفع”.

بدأ الحديث عن تأثر إدلب اقتصادياً، وإمكانية وقف الدعم عنها بعد اقتتال حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام، انتهى بسيطرة الأخيرة على محافظة إدلب، في 23 تموز/يوليو الماضي، وتقليص نفوذ حركة أحرار الشام.

وفي الحقيقة فإن المنظمات العاملة في إدلب لا تزال تمارس عملها، إلا إن بعض المشاريع توقفت بالتزامن مع سيطرة هيئة تحرير الشام، المصنفة على قوائم الإرهاب، ما وفّر أرضية خصبة للحديث عن وقف الدعم، ولكن يبقى السؤال مطروحاً “ماذا لو توقف المال العابر للحدود إلى إدلب؟!”.

أسامة الحسين، مدير مشروع تمكين مديرية صحة إدلب في منظمة “Uossm”، قال لمراسل “الصوت السوري” في إدلب “لا يوجد انكماش في نشاط المنظمات العاملة في الشمال السوري، لكن توافقت الشائعات حول توقف الدعم مع الفوضى الذي تعيشه إدلب وسط صراع بين الهيئة والحركة”.

وأكد الحسين أن انتهاء مشروع دعم مديرية صحة إدلب وإصدارها تعميماً بشأنه، هو إجراء روتيني وقانوني تجاه العاملين، ولكن جاء في وقت ساهم في تعزيز الشائعات وترسيخها.

منظمة SRD هي إحدى المنظمات العاملة في إدلب، وكانت من بين المنظمات التي انتهى تمويل عدد من مشاريعها نهاية شهر تموز/ يوليو الماضي.

قال مدير الاستجابة في SRD عبيدة دندوش لمراسل الصوت السوري “انتهى تمويل عدة مشاريع لنا نهاية الشهر الماضي، وهو أمر روتيني، وحصلنا على تمويل من جهات أخرى لإكمال عملنا” لافتاً أن عمل المنظمات تعمل على فترات محددة مع الداعمين وفق هدف المشروع وظروفه.

ولم يخفِ دندوش في حديثه لـ”الصوت السوري” مخاوف بعض المنظمات من توقف الدعم عن مشاريعها داخل سوريا، كمشاريع مؤسسة “قطر الخيرية” و “راف”، ولكن التخوف مصدره الأزمة الخليجية بين حلف السعودية والإمارات من جهة وقطر من جهة أخرى.

وبالعودة إلى مخاوف “وقف تدفق المال إلى المنظمات في إدلب” قال أسامة الحسين “توقف المنظمات عن عملها ينعكس أولاً على الخدمات المقدمة للمدنيين، وثانياً على الوضع الاقتصادي للعاملين في تلك المنظمات”، مشيراً أن عمل المنظمات طوال السنوات الماضية هو تخفيف مؤقت لمعاناة المدنيين وليس تقديم خدمات مستدامة.

ولعلّ لغة الأرقام توضح “حجم الأزمة” إن وقعت، فعلى سبيل المثال، تضخ منظمة “بنفسج” شهرياً في الشمال السوري نحو 200 ألف دولار أمريكي، بحسب ما ذكر السيد فؤاد سيد عيسى، نائب مدير المنظمة في الداخل السوري.

وقدّر سيد عيسى عدد المنظمات الكبيرة التي تنفق في الشمال السوري (إدلب وريف حلب) أموالاً بين 200 و 400 ألف دولار نحو 10 منظمات، بينما عدد المنظمات التي تنفق نحو 100 ألف دولار شهرياً تتراوح بين 100 و 200 منظمة.

ويتجاوز عدد المنظمات التي تنفق مبالغ مالية بحدود 10 آلاف دولار شهرياً نحو 300 منظمة، بحسب سيد عيسى.

وبحسب سيد عيسى فإن منظمة بنفسج أنفقت خلال الشهور الثمانية الماضية ضمن برنامج المنح MBG نحو 10 آلاف منحة، قيمة كل منحة 110 دولار أمريكي، استفاد منها عدد من شرائح المجتمع من بينهم المهجرين الجدد إلى الشمال السوري.

ونفّذت المنظمة مشروع “المال مقابل العمل”، وهو تقديم مساعدات للمدنيين في إدلب عبر تقديم فرص عمل مؤقتة، تنفذ المنظمة مشاريع خدمية عامة في إدلب وتشغّل فيها المستهدفين من المشروع، وهذا المشروع لوحده يحتاج 200 ألف دولار شهريا، بحسب عيسى.

من خلال الأرقام التي أدلى بها مسؤول “بنفسج” لـ”الصوت السوري” يمكن تكوين صورة حول حجم الأموال “النقدية” التي تضخها المنظمات الإنسانية والطبية في الشمال السوري “المحرر”، ومدى تأثيرها على توفير السيولة وتنشيط الأسواق المحلية.

وفي هذا الصدد، قال السيد سامر قواس، مدرب في القطاع المالي لمنظمات المجتمع المدني في إدلب، وعضو إداري في منظمة “بيبول آن نيد”، لـ”الصوت السوري” أن “الأموال التي تضخها المنظمات في مناطق المعارضة تشكل عصب الحياة الاقتصادية فيها”.

وبحسب السيد قواس فإن أموال المنظمات تنشّط اقتصاد إدلب من خلال عدة أمور، أهمها: رواتب وأجور متطوعيها وكوادرها، ثمن وقيمة الخدمات السلعية والعينية وحتى النقدية التي تقدمها كمشاريع، أو التي تنفقها لشراء مواد وخدمات في الداخل السوري.

من جانبه، قال حسام الشامي، خبير اقتصادي يعمل في إحدى المنظمات الإغاثية في تركيا لـ”الصوت السوري” أن “ضخ النقد الأجنبي من الجهات المانحة للمنظمات العاملة في الشمال السوري، وقيام الأخيرة بتقديم المساعدات ودفع المصاريف بالليرة السورية ساهم في تقليل تدهور قيمة الليرة السورية”.

ووضّح الشامي ذلك بقوله “يعبر للحدود نقد أجنبي بينما المعاملات النقدية في إدلب بالليرة السورية، وهو ما يؤدي إلى زيادة الطلب عليها”.

يصعب تقدير قيمة الأموال التي تضخ في الشمال السوري “المحرر” نظراً لاختلاف مصادر التمويل وغياب السلطة الواحدة التي تنظم القطاع المالي في إدلب، ولكن المعطيات تؤكد ارتباط اقتصاد مناطق المعارضة السورية بالأموال العابرة للحدود عن طريق المنظمات الطبية والإنسانية وغيرها، وحجب هذه الأموال أو تقليصها ينعكس على المدنيين.